رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (4-5)
الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان
ودارس هذه الفترة يلاحظ تقدمًا فائقـًا في علم "الفلك" بوجه خاص، حتى تشير المصادر إلى أن الفلكيين المصريين كانوا بارعين في عملهم، وأنهم استخدموا آلات جديدة استطاعوا أن يطوعوها لعملهم ويضيفوا إليها. وقد بلغ تقدم "الفلك" في "مصر" في نهاية القرن الثامن عشر إلى درجة أن أحدًا لا يستطيع أن يقلل منها. وتزخر تراجم هذه الفترة ومؤلفاتها بعشرات العلماء في هذا العلم وتفوقهم فيه.
و"يذكر "الجبرتي" عددًا كبيرًا من العلماء الذين ألفوا في علوم: الرياضيات، والكيمياء، والطب، والمساحة، وعلم يبحث في خواص الأعداد يسمى "لارتماطيقي"، بل عرف علم الهندسة وشواهده الكثيرة في العمائر الشامخة الراقية فضلاً عن علم الفرائض "المواريث"، وهو يحتاج إلى معرفة واسعة بالرياضيات والفرائض" (17) .
"وإذا توقفنا عند علم الرياضيات تحديدًا؛ سنعرف أنه وجد في "مصر" في نهاية القرن الثامن عشر عدد كبير من العلماء الذين ألفوا في هذا العلم" (18) ، كما كان "هناك عدد من الطبقات الأرستقراطية عرفوا باهتماماتهم بالرياضة والفلك، ورسم عدة مزاول بـ"الجامع الأزهر" (19) .
" وليس من المصادفة في شيء أن يكون الشيخ "حسن العطار" -وكان شيخ مشايخ الأزهر- أكثر علماء عصره تعرفـًا على العلوم العقلية، والحثّ عليها، كثير الأخذ عن علماء عصره من المجددين، كثير الرحلات إلى حيث وجودها، كثير تدريس العلوم العقلية في الأزهر، حاثـًّا تلاميذه على ضرورة الأخذ بالعلوم العقلية، كثير التقرب من الفرنسيين إبان وجودهم في "مصر" والدخول إلى معاملهم، والتعرف على علومهم الحديثة، كما زار المجمع العلمي الفرنسي" (20) .
وفي كتاب "وصف مصر" يذكر الباحث الفرنسي "جومار" في بابه عن المساجد أن "الجامع الأزهر" من بين أقدم الجوامع، وموارده ضخمة جدًّا يصرف منها على تزويد مكتبة وتمويل مؤسسة أشبه بالجامعة (21) .
"ويسهب "جومار" في الأعداد الهائلة التي كانت تتعلم بـ"الأزهر" حتى تصل إلى اثني عشر ألفـًا -كما يشير- يُطعِمون أكثرهم فيه ويوفر لهم السكن وما إلى ذلك" (22) .
"ويُؤمَّه عدد لا يحصى -كما يقول في موضع آخر- من الجنسيات المختلفة، والذين يأتون؛ لتلقي العلم في القاهرة" (23) ، "كما يشغل "الجامع" في هذه الفترة رواقـًا مستقلاً للعميان" (24) ، "وحين يجيء دور "الكتاتيب" فإنه كان لا يملك غير الثناء على هذه الدور التي تـُمنح الأموال من الأوقاف، والمفاهيم التي كانت تلقن في هذه "الكتاتيب" رغم بساطتها -في تعبيره-؛ فإنها لم تكن تكتفي بالقراءة والكتابة والحساب؛ وإنما -كانت في تقديره- لم تكن غير مدخل إلى التعليم الجامعي أي الذي يُعطى في "الجامع الأزهر" ومدارس أخرى" (25) .
وبعد أن يعرض "جومار" "لشكل المبالغ المخصصة للأعمال الخيرية وكيفية تنظيمها ببراعة ودقة من المصريين، يعترف في السطر التالي مباشرة قائلاً: "كانت لدينا في "أوروبا" معلومات خاطئة عن مؤسسات الإحسان عند المشارقة، وعن الإهمال المطلق لحكامهم فيما يخص الإعانات العامة" (26) .
ويذكر: "أنه إذا كانت توجد في هذه البلاد ملاجئ مثل هذه الملاجئ التي تعرفها المؤسسات الغربية فإنه كان في "مصر" و"سوريا" ملاجئ للعميان من زمن بعيد" (27) .
ويصف "جومار" ذلك بقوله: "وهكذا فقد أعطى لنا المشارقة المثال الأول" (28) .
ولما رأى "جومار" الكم الكبير من الأسبلة –جمع: سبيل- وهي من أعمال الخير قال -في تعجب ودهشة-: "لا توجد مدينة أوروبية تحوي هذا القدر من الأسبلة" (29) .
ولما رأى العديد من الأديرة والكنائس بـ"مصر" كتب يقول: "وهذه –أيضًا- نقطة لدينا عنها في "أوروبا" أفكار غير مطابقة للحقيقة" (30) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع "حقيقة الغرب: بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية". د/ مصطفى عبد الغني - مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية العامة للكتاب: ص(88).
(2) المصدر السابق: ص(88).
(3) المصدر السابق: ص(88).
(4) المصدر السابق: ص(88-89).
(5) المصدر السابق: ص(89-90).
(6) المصدر السابق: ص(43).
(7) المصدر السابق: ص(43-44).
(8) المصدر السابق: ص(44).
(9) المصدر السباق: ص(44).
(10) المصدر السابق: ص(44-45).
(11، 12) نفس المصدر: ص(45).
(13) المصدر السابق: ص(47).
(14) المصدر السابق: ص(45).
(15) المصدر السابق: ص(41-42).
(16) المصدر السابق: ص(43).
(17) المصدر السابق: ص(51-52).
(18) المصدر السابق: ص(52).
(19) المصدر السابق: ص(52-53).
(20) المصدر السابق: ص(53).
(21) المصدر السابق: ص(110).
(22، 23، 24) المصدر السابق: ص(110).
(25) المصدر السابق: ص(110-111).
(26) المصدر السابق: ص(117).
(27، 28، 29) المصدر السابق: ص(117).
(30) المصدر السابق: ص(118).