داروينية أم دونية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبين الحين والآخر تطالعنا الصحف بخبر يزعم فيه أنصار نظرية "داروين" بكشف يعود إلى ملايين السنين قد يساعد على كشف الحلقة المفقودة "التي تمثل الجد المشترك بين الإنسان والقرد" -بحسب زعم "داروين"-، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة "الجارديان" في عددها الصادر يوم الأربعاء 20/5/2009م في مقال بعنوان: "احفورة ايدا: هل تمثل الحلقة المفقودة في تطور الإنسان؟!" تناولت فيه الإعلان عن احفورة عن هيكل عظمي كامل لحيوان فقاري له ذيل عمره فيما يزعمون "47 مليون سنة"!! ذكروا أنهم "يظنون" أنه يعتبر الجد المشترك بين الإنسان والقرد.
وفي الواقع إن نظرية "داروين" اكتسبت شهرتها من آثارها أكثر من محتواها؛ حيث إنها فتحت باب الإلحاد في العقيدة، والعنصرية في السياسة، والفجور في السلوك على ما يأتي بيانه -إن شاء الله-.
ولنبدأ بعرض موجز لتلك النظرية:
تشتمل النظرية الداروينية على محورين أساسين:
الأول: محور بدء الحياة على الأرض، وتطورها وتشعبها.
والثاني: محور الجنس البشري كجزء من هذه الحياة، ولا بد من ربط المحورين ببعضهما لفهم النظرية بأكملها.
المحور الأول "الـبـدايـة"، ويقوم على الفروض الآتية:
- أن المخلوقات جميعها كانت بدايتها من خلية واحدة وهي "الأميبا"، أو كائن آخر وحيد الخلية يشبهها.
- أن هذه الخلية تكونت من الحساء العضوي؛ نتيجة لتجمع مجموعة من جزيئات البروتين وبينها بقية العناصر الأخرى؛ حيث أدت عوامل بيئية ومناخية: "حرارة، أمطار، رعد، صواعق" إلى تجميع هذه الجزيئات في خلية واحدة هي "الأميبا".
- أن جزيء البروتين تكوَّن نتيجة لتجمع مجموعة من الأحماض الأمينية، وترابطها بروابط أمينية، وكبريتية، وهيدروجينية مختلفة، كذلك نتيجة لعوامل بيئية ومناخية مختلفة.
- أن الأحماض الأمينية تكونت بدورها نتيجة لاتحاد عناصر الكربون، والنيتروجين، والهيدروجين، والأكسجين.
- أن الخلية الأولى أخذت تنقسم وتتطور إلى مخلوقات ذات خليتين، ثم إلى متعددة الخلايا وهكذا، حتى ظهرت الحشرات، والحيوانات، والطيور، والزواحف، والثدييات، ومن ضمنها الإنسان، كما أن جزءًا آخر من الخلية انقسم وتطور إلى أنواع من الخمائر، والطحالب، والأعشاب، والنباتات الزهرية واللا زهرية.
- أن الحيوانات في قمة تطورها أدت إلى ظهور الثدييات، وأن بعض فصائل الثدييات بدأت تتطور إلى الأفضل، إلى أن تكوَّن كائن أعلى من كل الثدييات الأخرى يمثل الجد المشترك بين الإنسان وبين القرد، وأن بعض أبنائها تطور ليتجه إلى "انتصاب القامة والنطق والعقل وضمور الذيل"؛ ليكون الجد الأول للإنسان المتميز عن القرد، ثم مر بسلسلة أخرى طويلة من التطور ليصل إلى الإنسان الحالي.
بينما كان طريق بني العمومة -"القرود أعزكم الله"- أقصر حيث حصل تحور طفيف في شكل الذيل والقامة!
وحيث إن هذا الجد الأعلى بين الإنسان والقرد ليس له وجود على أرض الواقع -بخلاف الجد الأعلى "الأميبا" الذي ما يزال موجودًا على قيد الحياة- فقد وصفه داروين بأنه الحلقة المفقودة في نظريته، مع أن الحلقات المفقودة أكثر بكثير من الموجودة، وحتى الآباء البشريين المتميزين عن القرود لا وجود لهم إلا في حفريات ثبت أنها ملفقة بين عظام بشر وقرود (1) ، ولو فرض وجود مخلوقات ما في زمن من الأزمان بهذه الهياكل العظيمة لكان اعتقاد أنها نوع من الشمبانزي أيسر على العقل السليم بكثير من أنه نوع من البشر في طور التعديل.
الأخطر من ذلك أن داروين طبق النظرية حتى داخل الجنس البشرى الحالي حيث نص على:
- أن التطور البشري مستمر منذ وجود الإنسان الأول، وأن هذا التطور صاحبه هجرات الأنواع البشرية المتطورة عن أسلافها إلى مناطق أخرى جديدة لتتكيف مع الأوضاع الجديدة.
- أن السلسلة البشرية تظهر تطورًا عقليٌّا وذهنيٌّا واستيعابيٌّا يزداد كلما ارتقى في سلم التطور البشري.
- أنه نتيجة لهذا التسلسل في التطور البشري فإن الأجناس في أسفل السلسلة أقرب للطباع الحيوانية من حيث الاعتماد على الوسائل البدائية، والقوة البدنية والجسدية من الأجناس التي في أعلى السلسلة، والتي تتميز بالاعتماد على استخدام العقل والمنطق؛ وبالتالي فهي أكثر ذكاءً وإبداعًا وتخطيطًـًا وتنظيمًا ومدنية من الأجناس السفلى في السلسلة.
- أن معظم البشر الذين يقطنون العالم، والذين هم من الأقرب للأصل الحيواني يتسلسلون بحسب قربهم لأصلهم الحيواني؛ حيث إنهم يتدرجون في ست عشرة مرتبة، يأتي الزنوج، ثم الهنود، ثم الماويون، ثم العرب في أسفل السلسلة، والآريون في المرتبة العاشرة، بينما يمثل الأوروبيون "البيض" أعلى المراتب "الخامسة عشرة والسادسة عشرة".
- أنه بعد المرتبة السادسة عشرة هناك مرحلة أكبر وأعلى قفزت في التطور البشري بدرجة عالية، وتميزت بتفوقها وإبداعاتها في كل ما يتعلق بشئون البشر من تخطيط، وترتيب، وتنظيم ومدنية وتحضر، وتصنيع وتجارة، واقتصاد، وسياسة، وتسليح وعسكرية، وثقافية، وفنية واجتماعية، وتعرف هذه المجموعة "بالجنس الخارق" وتتمثل صفات هذا الجنس في اليهود -على حسب زعم داروين وأنصاره-.
- أن الأجناس في أعلى السلسلة البشرية لها القدرة والتمكن من السيطرة والتوجيه، والتسخير للأجناس التي هي دونها، وكلما كان الفارق في السلسة كبيرًا كلما كانت عملية السيطرة والتوجيه أسهل، فمثلاً يستطيع الأوروبيون السيطرة على الزنوج أكثر من سيطرتهم على الأوروبيين، وهكذا؛ فبعض الشعوب والأجناس عندها قابلية أن تكون مستعبدة ومُسيطرًا عليها، بينما بعضها لديها القدرة على الاستعباد والسيطرة.
وهذه إحدى المغالطات التي تدل على السطحية الشديدة التي بنى عليها داروين نظريته، وكيف أنه نظر إلى موقف العرب، والهنود، والزنوج من المدنية في زمانه فزعم أن هذا هو مكانهم من سلم التطور العقلي، رغم أن القضية في الإمكانات ليس إلا، فأما العرب فأظنه تعامى عن تاريخهم في تأسيس كافة العلوم، وهم وإن تأخروا كأمة في زماننا إلا أن ريادة أفرادهم في كل جامعات العالم ومراكزه البحثية ترد على مزاعم داروين.