داروينية أم دونية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وأما الهنود فعلى الرغم من أننا نعادي الكفار منهم إلا أن هذا لا يمنعنا أن نرد على داروين -الذي رأى فيهم مخلوقات بشرية دنيا- بتصنيعهم للقنبلة النووية، وأما الزنوج فلعل الكثير من شعوبهم لم تنلِ الدرجة الكافة لإطلاق الطاقات البشرية الكامنة في نفوسهم، ولكن على الأقل ها هم لاعبوهم في الملاعب الأوروبية يتقنون فنون التكتيك الكروي، ويطبقونه حتى ملأوا ملاعب أوروبا؛ مما يدل على أن جنس الإنسان من حيث المبدأ قابل للتعلم، والتفكير، والقيادة.
ومن هذا يتبين أن نظرية داروين هي سلسة من الاحتمالات والافتراضات التي يكذبها الواقع، وأن أصحابها فروا إلى الحفريات التي يزعمون العثور عليها؛ ليدعموا رأيهم باحتمالات آخر، وهكذا نعيش في سلسلة لا تنتهي من الاحتمالات؛ ناهيك عن التطور العلمي في علم الجينات الوراثية الذي هدم هذه النظرية من الأساس، وأثبت تميز كل جنس من الأجناس الموجودة على سطح الأرض، بل وألغى كل فائدة كان أنصار هذه النظرية يتذرعون بها من أن تدريس قاعدة أثر البيئة في التطور يساوي اهتمام المزارعين والمربين بالعوامل البيئية؛ مما يترتب عليه الحصول على منتجات أفضل، وهي فائدة يدركها كل أحد دون حاجة إلى الخبط الذي في نظرية داروين، فضلاً عن أن الهندسة الوراثية تخطت كل هذه السفسطات، وتعاملت مع الواقع المنظور دون الحاجة إلى الرجم بالغيب؛ فأحرزت تقدمًا كبيرًا في المجال الطبي، والإنتاج الزراعي، والحيواني.
ولكن إذا كانت هذه النظرية بهذه الدرجة من الهشاشة، والحلقات المفقودة أكثر بكثير من الموجودة، ولو وجدت جميع الحلقات لما تعدى الأمر أن يكون فرضًا احتماليًّا؛ فما هي العوامل التي جعلت أنصار هذه النظرية يعتبرونها نظرية مقبولة من الناحية العلمية جنبًا إلى جنب مع نظرية "الجاذبية الأرضية" مثلاً؛ والتي -وإن كانت نظرية هي الأخرى- إلا أن الشواهد عليها لا تحصى كثرة، وحاجة العالم إليها لتفسير الظواهر الميكانيكية عظيمة؟
ثم ما الذي جعل أنصارها يتجاوزون بها وضعية "النظرية" -التي لا تستحقها أصلاً- إلى مرتبة الحقيقة العلمية؟!
في الواقع إن السياق التاريخي التي أعلنت فيه هذه النظرية كان بالغ الأهمية؛ حيث صدرت في ظل استسلام الكنيسة لسلطان النظريات العلمية "المحترمة" التي ظلت الكنيسة تعارضها ردحًا من الزمان تحت دعوى معارضتها للدين (2) ، ومن ثمَّ لم تعارضها الكنيسة بالقوة الكافية؛ مما غذى تيار الإلحاد (3) بقوة؛ حيث كان الإيمان بصحة نظرية داروين يساوي الإيمان بعدم صحة سفر التكوين، ومن ثـَمَّ أدى هذا إلى نفي وجود الله أصلاً، وعلى الرغم من زعم داروين تارة بأنه مسيحي، وتارة بأنه من "اللا أدريين" إلا أنه لم يصل في أي أحواله إلى التصريح بنفي الخالق، وهو لا يرى أن القول بالصدفة في تكوين الخلية الأولى "الأميبا" مناف لوجود دور للخالق في عملية التطوير (4) ، إلا أن النظرية صارت عنوانـًا على الإلحاد والملحدين من كل حدب.
ولم تقتصر هذه النظرية على تغذية الإلحاد؛ وإنما تعدت آثارها إلى جوانب أخرى من حياة الإنسان، كان أعظمها انهيار منظومة القيم؛ فالإنسان الأول كان جرثومة ملقاة في حساء عضوي آسن، وجـِدَّه القريب حيوانًا ثدييًّا شبيهًا بالزواحف، انحنى بعض أبنائه فصار قردًا بينما انتصب الآخر فصار بشرًا مع زيادة الكلام والفهم، ومحفور في الأذهان أن الناس حينما يحققون إنجازًا يفخرون به، وإذا فعلوا فعلاً شنيعًا خجلوا منه، وأنه مما يخفف جدًّا من الشعور بالخجل أن يكون ذلك الفعل المشين موَرَثـًا له، وفي ذلك يقولون: "من شابه أباه فما ظلم".
وعلى ذلك: فلمَ لا يتعرى الإنسان المعاصر إذا كان جده كان كذلك؟!
ولماذا لا تكون هناك حرية جنسية طالما أن بني عمومته ينزو بعضهم على بعض بلا ضابط؟!
ولماذا لا يمارس الجنس معهم مباشرة ما داموا بني العمومة؟! وكل هذا واقع مشاهد في السلوك الأوروبي!!
ولا تظنن أن روح المودة التي وجدها أنصار داروين بينهم وبين بني عمومتهم الأعلين من القردة والخنازير، وغيرهم -وفق زعم داروين- قد جعل الأوروبيين واليهود ينظرون بعين العطف لإخوانهم في تطورهم الأخير، ولكن بنو العمومة من الحيوانات أقارب غير منافسين؛ بل هم بالنسبة للغربي ملهمين لشهواته أو مشاركين فاعلين فيها، أما الأجناس الأخرى لا سيما العرب والزنوج، والتي جعلهم داروين في التفكير والقدرة على القيادة أقرب الأجناس إلى الحيوانات - فهم في حس الغربي أشبه ما يكونون بالحيوانات غير الأليفة التي لابد معها من القسوة والغلظة، والعصا الحديدية.
ومن هنا يتبين أن نظرية داروين تدعو العرب، والهنود، والزنوج إلى التسليم بدونيتهم في سلم الإنسانية؛ بينما تدعو البشرية جمعاء إلى الدونية الدينية بالوصول إلى أشد دركات الكفر؛ وهي إنكار وجود الخالق -جل وعلا-، وإلى أقصى درجات الدونية الأخلاقية بالرضى بالسلوك الحيواني في الحياة.
وعلى الرغم من أن الإلحاد ينافي العقيدة اليهودية، وكذلك الزنا والفجور يعارض شريعتهم إلا أنهم يشجعون على نشر هذه النظرية في غيرهم؛ لأنها تخلق من الآخرين حميرًا حقيقيين لشعب الله المختار كما تقول الأساطير اليهودية التي نسبوها إلى الله كذبًا وبهتانـًا، ومع هذا توجد معارضة يهودية محدودة لهذه النظرية موجهة في المقام الأول إلى اليهود لتحميهم من غزو هذه النظرية لهم.
وأما النصارى فقد ذكرنا تغير موقفهم من الرفض الخجول إلى الرضا المعلن.
وأما المسلم الذي أنعم الله عليه بالإسلام، وعرف صدق القرآن وصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإذا جاءه الخبر عن الله، أو عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- أيقن به، وسلم له؛ فهو خبر من العليم الخبير، وقد أخبرنا الله بتكريم أبينا الأول، وقصة خلقه؛ لنعلم أن أبانا الأول كان مخلوقـًا مكرمًا، ومِن ثـَمَّ نرث عنه هذا التكريم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) ، إلا من انحرف عن مقتضيات هذا التكريم والذي هو القابلية لمعرفة الحق والعمل به، ومن فاته ذلك فإنه يكون ممن انطبق عليهم قول الله -تعالى-: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين:5) .