داروينية أم دونية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ولقد أخبرنا الله -تعالى- بأصل خلق أبينا آدم؛ فقال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (السجدة:7-8) .
ولو لم يأتنا مثل ذلك الخبر عن الله -تعالى- لوجب على العاقل أن يمسك عما لم يشهده، ولم توجد دلائل عليه بدلاً من أن يتبع الظن: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم:28) .
هذه في الظنون المتساوية الاحتمال؛ فما بالك بالظنون الواهية التي احتمال كذبها أكبر بكثير من احتمال صدقها؟! "هذا بالنظر إلى ذاتها وأما بالنظر لمخالفتها للشرع فهي مما يقطع ببطلانه".
وينبغي على الصحفيين في بلاد الإسلام أن يَعرضوا ما يترجمونه من أخبار على قواعد الدين، وإلا فمن العيب البيـِّن أن تـَنقِل صحف في بلاد المسلمين الخبر المشار إليه في أول المقالة، ونحوه من الأخبار بلا تعقيب، وكأنه من المُسَلـَّمات دون اعتبار لأثر ذلك في عقائد الكبار والصغار، وينبغي على علماء الإسلام أن يجهروا برفض هذا الباطل، وألا يخشوا من مصير الكنيسة في المواجهة مع العلم؛ لأن الإسلام من عند الله فلن يأتي يوم على "نظرية داروين" تكون حقيقة يجب أن نتعايش معها؛ لأن نصوص القرآن صريحة في قصة خلق آدم -عليه السلام-، والإجماع عليها كاف لحصول اليقين عندنا بكذب أي ادعاء آخر.
بل إن من أعظم ما يقدمه الإسلام للبشر هو أنه يشبع تلك الرغبة الملحة عند كل فرد في معرفة من أين جاء؟ ولم جاء؟ وإلى أين المصير؟ كل ذلك بأجوبة يطمئن أولاً لمصدرها عن طريق الآيات الدالة على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وصدق القرآن، ثم يطمئن كذلك إلى انسجامها وعدم تعارضها، وعدم مصادماتها للواقع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مقال: "نظرية التطور مسلسل من التزييف" لـ "أورخان محمد علي" على موقع "إسلام أون لاين" تجد الكثير من وقائع التزييف في كثير من مكتشفاتهم.
ومن الملاحظ أن عامة مكتشفاتهم يستأثر بها في الغالب آحاد ممن يؤمنون بهذه النظرية، بل ربما كتموها ردحًا من الزمن كما في قصة "ايدا"، والتي احتفظ بها مكتشفها في معمله عامًا كاملاً قبل أن يعلن عن هذا الكشف الخطير!
ومن الملاحظ أن الداروينيين يبالغون في تقدير عمر العظام التي يأتون بها، والذي بلغ أوجّه في تقدير عمر الأحفورة "ايدا" والتي يزعمون أن عمرها 47 مليون سنة، وطبعًا ليس من حق أحد أن يسألهم أي عظم هذا الذي يبقى كاملاً كما لو كان "صاحبته" قد ماتت منذ 47 يومًا وليس 47 مليون سنة؟!
وذلك لأن تاريخ الأحياء المعروف لم يسجل أي حالة تطور -ولو كان طفيفـًا- مما يستوجب أن يكون أدنى تغيير على فرض إمكانية حدوثه يتطلب فترة تقدر بآلاف السنين؛ فلا بد وأن تكون المدة اللازمة لانبثاق البشرية جمعاء من "الأميبا" مقدرة بآلاف الملايين من السنين "مع أنه من الناحية الحسابية الصحيحة -ولو سلمنا جدلاً بإمكانية حدوث التطور العشوائي- فإن تكون الأميبا ذاتها كان سيأخذ بلايين السنين بناء على ما اكتشفه العلم بعد زمان داروين من تعقد تركيب الأميبا، وتعقد تركيب جزيء البروتين".
ولذلك نجد الداروينيين مضطربين غاية الاضطراب في معظم الهياكل التي يأتون بها؛ هل يعتبرونها من ضمن الآباء المشتركين بين القردة والإنسان؟ أم يعتبرونها من جملة آباء الإنسان بعد أن تميز عن القردة؟ "وإن اتفقوا بشأن ايدا أنها جد أعلى للقرد والإنسان"!
والشكل العام لها يبين أنها مخلوقات أعلى من القرد، وأقل من الإنسان "ولأنها في واقع الأمر ما هي إلا تلفيق من هياكل عظمية لبشر وقرود، كانت مدفونة في مناطق نائية من العالم وعمرها الحقيقي بالآلاف من السنين وربما مئاتها" مما يستوجب أن تكون وفق نظريتهم إنسانـًا في طور التعديل، ولكنهم مع ذلك يعتبرونهم غالبًا من الآباء المشتركين؛ ربما لأنهم أرادوا أن يجعلوا تميزًا للإنسان عن ابن عمه القرد -في زعمهم- في الزمن القريب تكون الرحم بينه وبين القرد قريبة.
(2) تبنت الكنيسة في المرحلة المبكرة للنظريات العلمية، النظريات العلمية الشائعة في زمانها من باب الرغبة في السيطرة على كل شيء دون سند حتى من الكتب التي بين أيديهم، والتي لم يكن يطلع عليها آنذاك غير من يسمونهم بـ"رجال الدين"، ثم تطورت هذه النظريات وثبت خطأها، فأصرت الكنيسة على مواقفها السابقة، وقامت بعقد محاكمات للعلماء هناك، وظلت الحرب بين الطرفين إلى أن رفعت الكنيسة الراية البيضاء، واستسلمت في معركتها الخاسرة مع العلم، وفي هذه الأثناء ظهرت نظرية داروين تعارض قصة الخلق في سفر التكوين الذي يؤمن به اليهود والنصارى "والذي يوافق من حيث الأصل ما ورد في القرآن من خلق الإنسان من ماء وطين رغم وجود تأثر بالأساطير في صياغته".
فالمعارضة بين نظرية داروين وبين الدين كانت جلية في هذه الحالة، وعلى الرغم من ذلك قاومته الكنيسة على استحياء، ولم تشأ أن تعيد إلى الأذهان صدامها الدامي مع النظريات العلمية الصحيحة.
(3) المقصود بالإلحاد في الخطاب الغربي إنكار وجود الله رغم أنه في الخطاب الشرعي الإسلامي يشمل صورًا أخرى من الكفر.
(4) من المفارقات العجيبة أن الفاتيكان وبعد مائة وخمسين عامًا من الرفض لنظرية داروين على الرغم من أنه كان رفضًا خجولاً كما أسلفنا إلا انه عاد وقـَبِل بها، وقـَبـِل بأن يستخدم الدين لملء الفراغ الذي لم يملأه داروين فيثبتون النظرية بكل تفاصيلها، ثم يثبتون اصطفاء آدم، وليس بدء خلقه كمخلوق تسامى على الحيوانات -"أجداده"- بالنطق والفهم.
وقد جاء هذا الاعتراف عدة مرات كانت أصرحها ذلك التصريح الذي جاء في الكلمة التي ألقاها الأسقف "جيانفرانكو رافاسي" وزير الثقافة بالفاتيكان يوم 16/9/2008م بمناسبة اعتزام الفاتيكان المشاركة في مؤتمر في العاصمة الإيطالية روما يشارك فيه علماء ورجال دين مسيحيون وفلاسفة، بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لصدور كتاب "أصل الأنواع" لداروين.