الشيخ "أسامة حافظ" ومحاولة استنساخ الشيخ "الغزالي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن حق الشيخ "أسامة حافظ"؛ بل من واجبه وواجب كل أحد أن يراجع نفسه، ويتراجع عما بدر منه من خطأ، ولذلك فمن المستحسن أن يجتر الشيخ ذكريات هذه الأخطاء لتكون عظة لنفسه، فمن هذا الباب تذكره تذكر النادم عن مسلك تعامل به مع مستمعي الغناء حيث يقول في مقال: "أيام من حياتي ـ7ـ قصتي مع فتوى الموسيقى": "وكم من أجهزة تسجيل وراديوهات -يسمونه المذياع- حطمناها؛ لأن أصحابها رفضوا إغلاقها عن أغنيات كانوا يتسلون بسماعها"!
كما يجمل منه الاعتذار عن حدة تعامل بها مع شيخ من القائلين بإباحة الغناء؛ كما يقول في المقالة السابقة:
"ولا أنسى يومًا تعرضت فيه لشيخ من شيوخ الدعوة علي المنبر بكلام حاد، وبصورة غير لائقة -لم يكن فيها تطاول ولا شتيمة- مرددًا كلام ابن القيم؛ لأنني سمعته يقول: إن الموسيقي الجميلة من الإسلام، وأنه كان عنده عود؛ مما أغضب كثيرًا من محبيه لما اعتبروه تجاوزًا في حقه رحمة الله عليه".
وإنما قلنا بحسن هذين الموقفين:
باعتبار أن الأول منهما من تكسير لآلات اللهو وغيرها من صور إنكار المنكر باليد دون اعتبار المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز مما كان يمثل الخطأ الرئيسي للجماعة الإسلامية سابقـًا، والذي جرَّ إلى غيره من الأخطاء، وقد تم تدارك ذلك -بفضل الله- في المبادرة.
وأما الثاني فعلى أساس قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ) (1) (رواه مسلم) .
وإذا كنا نعرف تاريخ "التفكير الجماعي" للجماعة الإسلامية بإعادة تقييم موقفه النظري والعملي، وما أسفر عنه من صدور كتب المبادرة الأربعة التي تمثل حتى الآن القدر الجماعي من المبادرة، والذي لاقى ترحيبًا من الأوساط السلفية، ثم تتابعت بعد ذلك آراء نظن أنها حتى الآن تمثل اجتهادات فردية من أصحابها، كان أكثرها مصادمة للمنهج السلفي كتابات الشيخ "أسامة حافظ"، والذي بدأها بقضية الغناء كنموذج، ثم سرعان ما تابعها بدفاع شامل عن منهج الشيخ الغزالي.
فأما الغناء فيقول في شأنه:
"وبإعادة القراءة في الموضوع وجدت أن القصة كلها قائمة على حديث آحاد معلق في البخاري (2) -دعك من الحديث ومن وصله عند غيره وكلام البعض حول هذا السند-، وعلى مجموعة من أقوال للصحابة وأهل العلم.
وبعد أن اتضح أن كثيرًا من الصحابة وأهل العلم لهم رأي آخر، وأن الحديث له تأويلات تتحدث عن مجالس اللهو التي يجتمع فيها هذه الأربعة أشياء، وأن أدلة الإجازة -إن كان العفو الأصلي يحتاج إلي استدلال- أقوي وأصح، مثل: حديث الجاريتين، وحديث زواج الأنصار، وغيرها، وأن كل ما يقال من حديث لصرف هذه النصوص عن ظاهرها فيه تعسف ظاهر لأي شخص محايد (3) يقرأ في الموضوع -مع كل تقديرنا للعلماء الأفذاذ الذين تعرضوا للموضوع-".
إلى أن قال:
"وأن دعوى الإجماع التي زعمها ابن القيم لا أساس لها (4) إلا إذا اعتبرنا أن الصحابة عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، وابن عمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص -رضي الله عنهم- خارج هذا الإجماع، وأن عشرات العلماء الذين خالفوا كلام ابن القيم لا يُعتبرون من أهله -مع كل التقدير للعالم القدير-".
وبعد أن فرغ من الكلام على الغناء؛ بدا الأمر وكأن القضية ليست في الغناء وحده، بل له عند الرجل "أخوات" فقال:
"ولا يخفى أن عدم العمل بحديث آحاد معلق حتى ولو كان في البخاري لأسباب أقوى تنقدح في نفس العالم من نصوص صحيحة أو تأويلات للنص لا حرج فيه" (5) .
وقد قام الشيخ "عبد الفتاح الأزرق" (6) بالرد على الشيخ "أسامة حافظ" في مقال بعنوان "عذرًا يا شيخنا فأنت حبيب إلى قلوبنا... ولكن الشرع أحب إلينا"، وقد تناول الشيخ في هذا المقال أدلة التحريم، وبيَّن اتصال حديث المعازف، وذكر من صححه من أهل العلم مع ذكر طائفة أخرى من الأحاديث صحح كلاً منها أحد المتقدمين، كما ذكر عن الألباني تصحيحه لها أو لمعظمها.
ثم ساق الآثار عن الصحابة في حرمة الغناء وبيَّن أن من نـُسب إليه منهم حِل الغناء أو سماعه فهو مصروف حتمًا -للجمع بين الأدلة- إلى الحداء، ثم لخص أسماء المصحِحين لأحاديث حرمة الغناء؛ فذكر أن القائمة تشمل:
1- البخاري 2- ابن حبان
3- الإسماعيلي 4- ابن الصلاح
5- النووي 6- ابن تيمية
7- ابن القيم 8- ابن كثير
9- ابن حجر العسقلاني 10- ابن الوزير
11- السخاوي 12- الأمير الصنعاني
وكنا نظن أن العاصفة قد هدأت، وأن الرد العلمي الرصين على الشيخ أسامة من صاحبه قد كفى الآخرين مؤنة الدخول في معركة اختار لها الشيخ أسامة الموضوع الخاطئ، والزمان الخاطئ (7) ، إلا أن الشيخ أسامة أبى إلا أن يرد على صاحبه بمقال عنوانه: "رسالة فقهية إلى الداعية عبد الفتاح الأزرق" (8) كرر فيها أمورًا سبقت الإجابة عليها في مقال الشيخ الأزرق نتوقف منها عند قوله:
"ثالث هذه الملاحظات هي عملية الحشد التي حشدتها من الأحاديث لتقوية القول بالتحريم لم تجئ فيها بغير تقليد الشيخ الألباني في تصحيحها".
ولا أدري كيف تسنى له أن يطلق هذه الدعوى والشيخ الأزرق قد ذكر له قائمة بالمصححين لهذه الأحاديث، ولم يترك المجال لتخمين أنه لا مصحح لها إلا الألباني، ثم عارض تصحيح الألباني حسب ادعائه بتضعيف ابن حزم، والغزالي، وابن العربي.
وهذه قضية تستأهل وقفة:
ذلك أن بعض الباحثين يرتدي في بعض مواطن بحثه ثوب الاجتهاد، وفي بعضه ثوب التقليد، ولا أظن أن الشيخ أسامة يدعي الاجتهاد بأي درجة من درجاته في علم الحديث؛ فلم يبقَ إلا التقليد فبالله عليكم إن جاءنا حديث صححه البخاري "بناء على تعليقه مجزومًا به"، وابن حجر، والألباني، وضعفه أقوام؛ منهم من لم يرَ أحد أهم أصول كتب السنة كابن حزم الذي لا يقنع باتباع البخاري فيما علق مجزومًا به، وفي نفس الوقت لم يطلع على سنن أبي داود التي روى فيها الحديث موصولاً، ومنهم من قال: بضاعتي في الحديث مزجاة كما قال الغزالي، فمن يمكن للرجل الديِّن المنصف أن يتبع أو يقلد؟!
ثم نقض دعوى الإجماع على تحريم الغناء بأنه قد وجد مخالفين مع أن هؤلاء المخالفين فريقان: