الشيخ "أسامة حافظ" ومحاولة استنساخ الشيخ "الغزالي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الأول: لم يثبت عنهم النقل وعلى فرض ثبوته فالجمع بينه وبين الدليل والإجماع متيسر بحمل السماع على الحداء، وهذه النقطة مفصلة في رد الشيخ الأزرق، بيد أن الشيخ حافظ أعرض عن مناقشة الشيخ الأزرق فيما قال.
الثاني: متأخرون كابن حزم، إجماع السابقين حجة عليهم ولا عبرة بمخالفتهم.
ثم قال:
"خامسًا نحن لا نسلم أن معنى الحديث يفيد التحريم الجازم لأسباب:
1- أن التحريم هنا يثبت بفحوى الخطاب والذي لا يصار إليه إن وجد النص.
2- أن المعازف كلمة اختلف أهل اللغة في مدلولها، وقد نقل اللسان، وتاج العروس، والقرطبي وغيرهم لها أكثر من معنى؛ فهي: آلات الملاهي - وأصواتها - والغناء - وكل لعب - وتناشد الأراجيز - والتهاجي بالشعر، والتفاخر به.
وعليه فما دام اللفظ محتملاً لأكثر من معنى لا يكون لأي منها أفضلية إلا بدليل يخصص... فإن عُدِم استعمل الجميع، وإلا أُهدِر الجميع".
ونحن لا ندري إذا كان الحل عنده إما استعمال الجميع وإما إهدار الجميع فلماذا اختار إهدار الجميع؟! بيد أن هذه العبارة من الشيخ أسامة افتقدت إلى الأساس العلمي، وذلك أن اللفظ التي هذه حالها إما ألا يوجد مانع من إرادة كل هذه المعاني فهو من قبيل العام، وإما أن يكون متى أريد أحدها امتنع إرادة الثاني فهو من قبيل المشترك، ولا يقال في أي منهما: "إما إعمال الكل أو اطراح الكل".
بل يقال في العام يُعمل به على عمومه ما لم يخص، ويقال في المشترك إما أن توجد قرينة على تحديد المراد، وإما أن يترك العمل به حتى يتبين، وعلى القول الآخر للعلماء لا مانع من حمل المشترك على جميع معانيه، وعلى كلٍ فدلالة لفظ المعازف على هذه المعاني هو من باب دلالة العام على أفراده، وهي التي يقال فيها: "يُعمل بعمومه ما لم يخصه دليل".
وإذا استحضرنا ذلك زال الإشكال في قول أهل العلم باستثناء الدف لورود المخصص، وزال الإشكال في تقييده بكونه مصمتًا لا جلاجل فيه، والتي استغربها الشيخ جدًا، ولا أدري ما بال عقلانيي زماننا يردون الحديث بالعقل، ثم إذا جاءهم القياس المنضبط نفروا منه، فنقول:
إن الشرع أذن في الدف ونهى عن الكوبة -وهي الطبلة-؛ لأنها تعطي أصواتـًا موسيقية أكثر اتقانـًا، وكذا نهى عن الجرس -ولو كان جرس بعير-؛ فـُعلم أن الشرع رخص في أقل أنواع المعازف حدة وأقربها إلى روح الحداء لا الغناء، فما كان ينهى عن الجرس منفردًا ثم إذا علق هو أو ما يشبهه في الدف أبيح، والقول بذلك ظاهرية تستوجب تلك السخرية التي كان الشيخ حافظ يخص بها صديقة الظاهري الهوى في فترة الشباب.
ثم ختم الشيخ مقاله بقوله: "يا عم الشيخ عبد الفتاح أعد القراءة في هدا الموضوع بحيادك المعروف ودون أفكار مسبقة، وأنا واثق أننا سنتفق وإن شئت أن أزيدك في هذا الموضوع فإنني يسعدني ذلك".
وانتهت بذلك معركة "الغناء" لتبدأ معركة أكثر شراسة فإذا كان الغناء على خطر القول بإباحته هو مسألة جزئية فإن الخطر الأكبر في التقعيد لأصل كلي، والذي جاء في مقال بعنوان: "الشيخ الغزالي والعلة القادحة.. معركة كتاب السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، والمقال عبارة عن دفاع عن الشيخ الغزالي -عفا الله عنه- عجز هو في حياته أن يرد بمثله حتى صدق في الشيخ أسامة حافظ أنه "غزلاوي أكثر من الغزالي"!!
ولا يمكن تفسير المقال على أنه دعوة إلى احترام أقدار الرجال وإن اختلفنا معهم؛ لأن عامة من أجاب على الغزالي في ذلك الوقت قد تحفظ هذا التحفظ؛ ولأن الشيخ أسامة حافظ إذ دافع بحرارة عما أسماه بحق الغزالي في تقدير العلة القادحة حيث يقول: "ما هو سر هذه الحملة الشرسة علي الشيخ، وغاية ما فعل أنه استخدم حقه كعالم وفقيه في النظر في الحديث كما نظر الأولون وبحث فيه كما بحثوا، فرد من وجهة نظره بعضًا منها لعلة رآها قادحة فيها، أو لدليل اعتبره أرجح".
لقد حاول الشيخ أسامة حافظ أن يصنف كلام الشيخ الغزالي في خانة: "تقدير العلة القادحة"، وليس في خانة: "تقديم العقل على النقل"؛ لأن الأولى مقبولة عند أهل العلم، والثانية مرذولة.
فإلى أي البابين ينتمي صنيع الغزالي؟؟
بداية نود أن نشير إلى أن الشيخ أسامة حافظ قد استعرض عددًا من الأمثلة على رد العلماء لأحاديث لوجود علة قادحة؛ -ليعتذر عن الغزالي بأنه ليس بدعًا في هذا الباب-، لا يكاد يسلـَّم له بأي منها، بل هي معدودة في باب التعارض والترجيح، ومنه ما قيل فيه بالنسخ، والفرق بين الأمرين ظاهر؛ حيث يُرد الحديث ابتداء بالعلة القادحة في المتن إذا خالف العقل، أو الحس، أو أصول الشرع مخالفة لا تـُحتمل بأي وجه من الوجوه، وأما ما سوى ذلك فيُقبل ليتم محاولة الجمع بينه وبين غيره؛ فإذا تعذر الجمع لجأ العلماء للترجيح، فإن لم يكن .. قالوا بالنسخ.
ولكي تتضح الصورة نذكُر المثال الذي ذكره ابن الصلاح في مقدمته: للحديث المعلول وتبعه على ذلك عامة المصنفين في هذا العلم، قال -رحمه الله-:
"ومثال العلة في المتن?:? ما انفرد "?مسلم"? بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه?:? فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق "?البخاري ومسلم"? على إخراجه في "?الصحيح?"، و رأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له?.? ففهم من قوله?:? كانوا يستفتحون بالحمد لله، أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية?،? وانضم إلى ذلك أمور، منها?:? أنه ثبت عن أنس?:? أنه سُئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم?".