شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (5-5)

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما يلاحظه من يدرس فترة "الحملة الفرنسية" على "مصر" وما بعدها: التغير الواضح في دور المقاومة الشعبية إبان "الحملة الفرنسية" منذ دخولها "مصر" حتى خروجها منها، ودور المقاومة الشعبية خلال الاحتلال الانجليزي لـ"مصر" عام 1882م وما بعدها.

لقد تولى علماء "الأزهر" ورجاله زعامة المقاومة الشعبية خلال "الحملة الفرنسية"، وتجاوب معها الشعب بطوائفه، وكانت المقاومة الشعبية للحملة قوية وشديدة رغم ضخامة الخسائر وكثرة الضحايا خاصة خلال الثورتين الأولى والثانية بـ"القاهرة"، وكانت المقاومة تنبع من رؤية إسلامية، ترفض الخضوع للاحتلال الفرنسي؛ لأن الفرنسيين كفار يريدون الاستيلاء على أرض "مصر" المسلمة، ويقتطعونها من "الدولة العثمانية"، ويخرجونها من سلطان "الدولة العثمانية".

لقد كان الجميع -من حكام ومحكومين- يرفض الفرنسيين، ولكن الحكام عجزوا عن قتال الفرنسيين؛ فناب عنهم الشعب بزعامة علماء "الأزهر" ورجاله، ولا يعارض ذلك أن هناك من تعاونوا مع الفرنسيين من علماء مسلمين ونصارى، ولكنهم قلة خرجت عن عموم الأمة، ورفضهم الشعب وعاملهم بازدراء، ونالوا جزاء ما اقترفوه أثناء وبعد خروج الفرنسيين وجلائهم.

أما عند الاحتلال العسكري الإنجليزي لـ"مصر" عام 1882م، وبعد أن ظهر تيار التغريب "العلمانية" في البلاد على أيدي الحكام، وبعد أن أضعف "محمد علي باشا" وضع علماء "الأزهر" ورجاله، وعرف متعلمو الأمة -وتأثروا- بالغرب من خلال البعثات والإرساليات لـ"أوروبا"، ودخل الأجانب من الأوروبيين البلاد في ظل "الامتيازات الأجنبية"؛ تغيرت الأوضاع، فـ"الخديوي توفيق" يرحب بحماية الإنجليز له، ويثبت حكمه من خلال احتلالهم العسكري للبلاد، والمقاومة للاحتلال هي للجيش المصري، ووزارة البارودي وعرابي تطالب بنظام حكم ينبغي عليه أن لا يعتدي على أمة مستقلة تنادي بحكم نيابي، وهي ترى "بريطانيا" دولة متحضرة متقدمة لها سبق وريادة، و"مصر" في ظل حكم أسرة "محمد علي" تدين بولاء اسمي فقط "للدولة العثمانية".

وهذا كله يشير إلى التغير الكبير الذي وقع في الأمة، فلم تعد نظرتها للأمور من منطلق إسلامي بحت ويقودها علماء الأزهر، ولكنها من رؤية علمانية لا ترفض الغرب وتسعى للتشبه به، ولكن بدون احتلال، ونؤكد على هذه الملاحظة فنقول:

"لما عرض القائد الإنجليزي "نلسن" على "محمد كريم" حاكم "الإسكندرية" حماية الأسطول الإنجليزي له؛ لمواجهة "الحملة الفرنسية" (1) رفض تلك الحماية "قائلا له: هذه بلاد السلطان" (2) ، يعني: السلطان العثماني، وتبدو أهمية تلك العبارة في إبراز الارتباط بـ"الدولة العثمانية"، وأصالة ذلك في الوجدان المصري، كرمز لما وراءه من علاقة بالدين، لا تقبل أن يفرط فيها "وتلك واحدة مما يحسب لذلك الفكر، ونحن نزنه بموازين الإسلام، قياسًا بما سيلحق به بعد ذلك من أثر "التغرب" بالفكرة "القومية"، لم تكن هذه الفكرة قد طرأت بعد على هذا المجتمع الذي لم يكن حتى ذلك الحين يرى في غير الدين سببًا للتجمع في إطار الوحدة السياسية أو الدولة" (3) .

لما نزل الفرنسيون جهة العجمي في غرب "الإسكندرية" وبلغوا أسوار المدينة صباح 2 يوليو 1798م، لم ينتظر الشيخ "محمد كريم" وصول النجدة من "القاهرة"، وشرع يدافع عن المدينة بما لديه من قوة، واستمات في الدفاع عنها، ولكن الفرنسيون هاجموا المدينة من ثلاث جهات حتى اقتحموها، فاستمر الشيخ محمد كريم في الدفاع عن المدينة بعد دخول الفرنسيين، واعتصم بقلعة "قايتباي"، ثم لما وجد أن قواته أضعف من أن تقف أمام الجيش الفرنسي المسلح بأحدث تسليح كفَّ عن القتال. وقد تكبد الفرنسيون خسائر في استيلائهم على "الإسكندرية" بلغت ثلاثمائة فرنسي بين قتيل وجريح (4) .

وكان من القتلى الجنرال "ماس" MAS ، ومن الجرحى الجنرال "كليبر"، أصابه عيار ناري في جبهته (5) ، ولما تبين للفرنسيين استمرار عداء الشيخ "محمد كريم" لهم بعد احتلال "الإسكندرية" اعتقلوه وحبسوه، ثم أعدموه.

ولما وصل الفرنسيون إلى القاهرة تولى الشيخ "عمر مكرم" تحميس الشعب للمقاومة، ولكن "مراد بك" والآلاف من المتطوعين من أهل "القاهرة" وسكان الأقاليم انهزموا أمام المدفعية الفرنسية، ودخل الفرنسيون "القاهرة"، فغادرها عمر مكرم، ورفض العودة للقاهرة في ظل الاحتلال منتظرًا قدوم القوات العثمانية لمحاربة الفرنسيين، وقد وجه إليه "نابليون" الدعوة للعودة؛ فأبى، وقد أنشأ "نابليون" ديوانـًا من عدد من المشايخ المصريين؛ لحكم "القاهرة" في ظل الاحتلال الفرنسي، وعين الشيخ "عمر مكرم" فيه بوصفه نقيب الأشراف، لكنه رفض ذلك، وانتقل إلى "الشام" فما كان من "نابليون" إلا أن عزله من نقابة الأشراف وصادر أمواله.

ولما توجه "نابليون" إلى "الشام" قبض على الشيخ "عمر مكرم" وعدد من المصريين فأعادهم إلى "القاهرة"، فاعتكف في منزله ينتظر الفرصة؛ لمواصلة الكفاح.

فلما تولى "كليبر" الحملة بعد "نابليون" الذي عاد إلى "فرنسا"؛ انتهز عمر مكرم خروج "كليبر" من "القاهرة"؛ لمواجهة العثمانيين في موقعة "عين شمس" فأشعل "ثورة القاهرة الثانية" في مارس 1800م، والتي استمرت شهرًا كاملاً، ولكن "كليبر" أنهاها بقوة بطشه، وخرج "عمر مكرم" للمرة الثانية من "القاهرة" إلى "الشام" ولم يعد إليها إلا مع الجيش العثماني بعد خروج الفرنسيين؛ حيث أعاده الوالي العثماني إلى منصب نقيب الأشراف من جديد.

ومن زعماء "ثورة القاهرة الثانية": الشيخ "محمد السادات"، وكان من المشايخ الذين اختارهم "نابليون" في الديوان الذي يحكم "القاهرة" من المصريين، فلما قامت "ثورة القاهرة الثانية"؛ كان في مقدمة زعماء الثورة إلى جانب "عمر مكرم". فلما قضى "كليبر" على الثورة بقي الشيخ محمد السادات إلى جانب الجماهير في "القاهرة" ولم يغادرها فتعرض للاضطهاد والاعتقال والتعذيب، حيث سيق إلى "القلعة" فحبس بها، وعذب بالضرب، وصودرت أمواله، فتحمل كل ذلك في شجاعة وصبر هو وأهل بيته.

وفي مقابل ذلك فهناك من تعاون مع الفرنسيين ومال إليهم:

الصفحة التالية