شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (5-5)

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

- فمنهم: الشيخ "خليل البكري" الذي سعى لدى الفرنسيين؛ لتعيينه في منصب نقيب الأشراف بدلاً من الشيخ "عمر مكرم"، فقلدوه هذا المنصب (6) ، فكان يقدر ذلك لـ"نابليون"، ويسعى لإرضائه، ويقدم إليه الهدايا (7) ، وارتضى أن تكون داره المكان المختار لسهرات "نابليون" ومجونه (8) ، "وانتهى الأمر بأن وثـَّقت ابنته زينب البكرية صلاتها بالفرنسيين وعلى رأسهم: "بونابرت" حتى أوغل المعاصرون لها والمؤرخون والباحثون في شرفها وعرضها إيغالاً بعيدًا" (9) ، لذا؛ هاجم المصريون منزل الشيخ "خليل البكري" خلال "ثورة القاهرة الثانية"، وأخرجوه منه مع حريمه وأولاده وساقوه حافي القدمين عاري الرأس، وشتموه وسبوه (10) ، وبعد جلاء الفرنسيين من "مصر" تم استدعاء الشيخ خليل البكري، فعزل من نقابة الأشراف، وأعيد المنصب إلى "عمر مكرم" (11) ، وقتلت ابنته زينب جزاء سلوكها المنحرف (12) .

- ومنهم: الشيخ "محمد المهدي" الذي شغل "أمين سر الديوان" الذي عينه "نابليون"؛ لحكم "القاهرة" من المصريين، حيث جعله أحد أعضائه في ديسمبر 1798م، فكان من أكثر المشايخ تقربًا للفرنسيين، وصاحب حظوة كبيرة لديهم (13) ، فوثقوا به وأكرموه، وأقاموه وكيلاً عنهم في أشياء كثيرة (14) ، لذا؛ أحرق الثوار منزله أثناء "ثورة القاهرة الثانية".

- ومن نصارى "مصر" من تعاون مع الفرنسيين يرى في وجودهم رفعته خاصة "نصارى الأروام"، لذا؛ هاجم الثوار حارات "نصارى الأروام" الذين ساندوا عسكر الفرنسيين وأعانوهم خلال ثورة القاهرة الثانية (15) .

ومن أشهر من عاون الفرنسيين من نصارى "مصر": "يعقوب بن حنا"، وهو مصري؛ ولد في "ملوي" بالقرب من "أسيوط"، سنة 1745م لأسرة متوسطة الحال، وتلقى تعليمه كأقرانه في أحد الكتاتيب القبطية المنتشرة في صعيد "مصر"، وعمل في صباه مساعدًا لبعض الكتبة، وفي عهد "علي بك الكبير" التحق بخدمة "سليمان بك" أغا "الانكشارية"؛ ليدبر له التزامه في "أسيوط"، ويجبي أمواله ويضبط دفاتر حساباته، وليتعلم -أيضًا- الفروسية (16) .

فلما دخل الفرنسيون "مصر"؛ جعلوه ساري عسكر حيث "جمع شبان القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع، يلبسونه على رءوسهم مشابه لشكل البرنيطة، وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم" (17) ، و"صيرهم عسكره وعزوته وجمعهم من أقصى الصعيد" (18) ، وقد جعله الفرنسيون في خدمتهم، لذا؛ فعند جلاء الفرنسيين عن "مصر" رحل معهم؛ حيث تم إجلاء الجنود الفرنسيين على سفن إنجليزية طبقـًا للاتفاق الموقع بين الفرنسيين والعثمانيين والإنجليز.

فاستقل "يعقوب بن حنا" الفرقاطة الإنجليزية -"بالاس"- "التي أبحرت من رشيد في العاشر من أغسطس سنة 1801م بقيادة الكابتن "جوزيف إدموندز" وهي تحمل على سطحها بعضًا من بقايا جنود الحملة الفرنسية المنسحبين من مصر" (19) ، حيث توفي بعد يومين من إبحار الفرقاطة الإنجليزية قبل وصولها إلى "مرسيليا"، وخلال هذين اليومين "تدور بينه وبين الكابتن "جوزيف إدموندز" قموندان الفرقاطة حوارات حدثنا عنها الأخير قائلاً: "والسفينة "بالاس" الموضوعة تحت أمرتي قد استقبلت على ظهرها في "مصر" قبطيًّا ذا سمعة ممتازة، وهو أحد زعماء هذه الطائفة، ويتمتع بحكم هذه الصفة بنفوذ عظيم.

وقد جعله الفرنسيون قائدًا على فيلق؛ ليحصلوا على مساعدته، وقد أظهرت نحو هذا المنفي العاثر الحظ بعض مظاهر الرعاية الخفيفة؛ فدفعه ذلك إلى محادثتي عن وطنه، وصرح لي أن من رأيه أن أي حكومة تحكم بلاده تفضل حكومة الترك، وأنه انضم إلى الفرنسيين بدافع من رغبته الوطنية في تخفيف آلام مواطنيه، وإن الفرنسيين خدعوهم، ولهذا؛ فالمصريون (20) -الآن- يحتقرونهم احتقارهم للترك فيما مضى، وإنه لا يزال يأمل في خدمة بلاده بواسطة الحكومات الأوروبية، ويعتقد أن رحلته إلى "فرنسا" سوف تسفر عن هذه النتيجة" (21) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توقع الإنجليز المراقبون لتحركات الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط إمكانية قدومه لمصر.

(2) نقلاً عن الرافعي "مصر المجاهدة في العصر الحديث". ص(13).

(3) "تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر" عبد الجواد يس. ط. المختار الإسلامي. ص(44).

(4)، (5) راجع في ذلك: "عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية" سلسلة أعلام العرب العدد (67) ط. دار الكاتب العربي يوليو 1967م. ص(35).

(6)، (7) راجع "عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية". ص(48).

(8) راجع المصدر السابق: ص(56).

(9) المصدر السابق: ص(56)، نقلاً عن الجبرتي ط. بولاق 1297هـ ج(3) ص(192)، وج(4) ص(87).

(10) راجع المصدر السابق: ص(70).

(11)، (12) راجع المصدر السابق: ص(88).

(13) راجع المصدر السابق: ص(58).

(14) راجع المصدر السابق: ص(59) نقلاً عن الجبرتي ج(4) ص(233- 237).

(15) انظر "مصر من تاني" محمود السعدني ط. كتاب اليوم: ص(97).

(16) راجع "القومية المصرية" د/ السيد نصر الدين السيد. ط. كتاب اليوم ص(52).

(17)، (18) المصدر السابق: ص(53)، نقلاً عن الجبرتي (ج2/45).

(19) "القومية العربية". د/ السيد نصر الدين ص(52).

(20) يقصد: نصارى مصر؛ إذ أن ولاء مسلمي مصر كان للأتراك والسلطان العثماني قبل ظهور الدعوة إلى "القومية" بعد دخول "التغريب" و"العلمانية" إلى بلادنا.

(21) "القومية المصرية": ص(54).

الصفحة السابقة