شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أقد فرغت يا أبا الوليد؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أرسل الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فجاهد في الله حق جهاده، ومرت دعوته -صلى الله عليه وسلم- بأحوال وأطوار تصرَّف فيها -صلى الله عليه وسلم- بتأييد من الله -تعالى- سطر بعضه في القرآن وبعضه في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يغني أتباعه إلى يوم القيامة من تلمُّس التصرف الأمثل في كل ما يعرض لهم؛ فسوف يجدون مثله في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن المعلوم أن أول ما وُوجـه به النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته العلنية كان ذلك الخطاب الطاغوتي المتعجرف من أبي لهب -لعنه الله- الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟!"، فتولى الله -تعالى- الإجابة عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونزلت الآيات تخصه بالذم والتقريع، وإن كان غالب أحوال آي القرآن أن تنزل بالوعيد العام لمن أعرض عن الحق, ولكن لما بالغ أبو لهب في الإيذاء نزل القرآن فيه خاصة: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) (المسد) (1) .

ولقد ظن أبو لهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو رجل واحد يكفي في زجره أن يقول له سيد من سادات قريش: "تبًا لك" لينتهي الأمر!!

ولكن الأمر لم ينتهِ؛ لأنه من عند الله، وهذا ما أبى أبو لهب أو غيره من صناديد قريش أن يتأملوا فيه، أو تأملوا وأصرُّوا على الإعراض، واتسع الأمر رغم الكلمات الجوفاء التي خرجت من أبي لهب، حتى لجأت قريش (2) إلى حيلة أخرى، وذلك أنها انتدبت منهم رجلاً عاقلاً بليغـًا لم يكن قد صدر منه إلى تلك اللحظة أي أذى تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذهب إليه مفاوضـًا أو مساومًا، وكان بوسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُعرضَ عنه من باب أنه صَمَتَ صَمْتَ المقرِّ عن قول أبي لهب، وأن مبادرته قد تأخرت سنوات قـُتلت فيها "سمية" -رضي الله عنها- بغير ذنب إلا أن تقول ربي الله، ووضعت الحجارة العظيمة على صدر "بلال" -رضي الله عنه-، وفعل وفعل...

ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخلاقه الكريمة حتى مع الكفار استقبله وسمع منه، وخاطبه بكنيته، كان هذا الرجل هو "عتبة بن ربيعة"، وكنيته "أبو الوليد"، ودار بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الحوار:

"قال عتبة: يَا ابْنَ أَخِي، إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْت مِنْ السّطَةِ -الشرف- فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النّسَبِ، وَإِنّك قَدْ أَتَيْت قَوْمَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ، وَسَفّهْت بِهِ أَحْلامَهُمْ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ، وَكَفّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنّي أَعْرِضْ عَلَيْك أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلّك تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: ( قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعُ )، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْتَ إنّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَالاَ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالاً، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاك عَلَيْنَا حَتّى لا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَك، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلّكْنَاك عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الّذِي يَأْتِيك رَئِيّا تَرَاهُ لا تَسْتَطِيعُ رَدّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطّبّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنّهُ رُبّمَا غَلَبَ التّابِعُ عَلَى الرّجُلِ حَتّى يُدَاوَى مِنْهُ.

وفَرَغَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- يَسْتَمِعُ مِنْهُ، قَالَ: (أ َقَدْ فَرَغْت يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاسْمَعْ مِنّي )، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ( حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ) (فصلت:1-2) ، ومَضَى رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- يقرأ وقد َأَلْقَى عتبة يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ منصتـًا حتى انْتَهَى رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- إلَى السّجْدَةِ (3) ، فَسَجَدَ ، ثُمّ قَالَ: ( قَدْ سَمِعْت يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْت، فَأَنْتَ وَذَاكَ )" (4) .

وهذا الجواب النبوي القرآني ينبغي أن يكون جوابنا لكل "أبي وليد"، عربيًّا كان أو أعجميًا؛ لأننا معشر المسلمين نؤمن بأنه: "لا فضل لعربي على عجمي، ولعجمي على عربي إلا بالتقوى"، وليس المعيار الذي نزن به الأشخاص والأقوال والأفعال القومية والعصبية، بل الدين، وقد جاءنا أبو الوليد الفرنسي قبل ثلاثة قرون من الآن، فحصل على نفس الجواب ورجع (5) .

ولا بأس أن نقف عند بعض الآيات التي قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- على "أبي الوليد العربي" ليكون منها "أبو الوليد الأمريكي" على بينة:

- ( حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) (فصلت:1-2) .

أي أن هذا الدين من عند الله رحمة للعالمين من ظلم بعضهم لبعض، ومن استعباد بعضهم بعضًا، وأبو الوليد من أدرى الناس بذلك، وهو تنزيل من الله لا يملك منه الرسول -صلى الله عليه وسلم- شيئًا حتى "يفاوضوه"، أو إن شئنا أن نسمي الأشياء بأسمائها حتى "يساوموه"، وهذا القدر وحده هو الرد بتمامه، وكل ما بعده كان عرضًا لهذه الدعوة كما عرض أبو الوليد دعوته.

- ومما جاء في هذه التلاوة: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) (فصلت:6-7) ، وهي دعوة إلى السبيل الوحيد؛ إلى الطهارة والزكاة والمثل العليا، وهو الإيمان والتوحيد.

الصفحة التالية