شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أقد فرغت يا أبا الوليد؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

- ومما جاء فيها: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (فصلت:8) ، فأما وقد وعد الله المؤمنين بأجر غير منقطع فلا حاجة لهم إلى وعود تنقطع بانقطاع الدنيا، وربما انقطعت قبل ذلك بانقطاع الدول، وربما انقطعت مثل ذلك بانقطاع صاحب الوعد عن دنياه أو عن سلطانه، وربما ذهب "أبو الوليد" فجاء بعده "أبو جهل".

- ومما جاء فيها: ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) (فصلت:15) .

- ومما جاء فيها: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (فصلت:33-36) .

ولا يمكننا أن نترك هذا المقام إلا بعد أن نشير إلى أن محاولة أخرى أخف من هذه المحاولات بكثير تمت فيما بعدُ حينما طلبت قريش من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخص كبراءهم بمجلس يتميزون فيه عن الضعفاء، فتردَّد النبي -صلى الله عليه وسلم- في قبول ذلك، فأنزل الله في ذلك قرآنـًا يبيِّن أن هذا يمثله افتراء قرآن آخر على الله، كما قال -تعالى-: ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا . وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا . إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:73-75) .

فاللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا به حتى نلقاك عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقريب من هذا ما حدث من "بندكت" الذي تعرض للنبي -صلى الله عليه وسلم- في خطاب، فما لبث أيامًا حتى قام بعض بني دينه برفع دعاوى ضده هو وأساقفته عن قضايا "تحرش جنسي" منذ عشرات السنين، وذكر الشاكُون أن "بندكت" كان له دورًا كبيرًا في التستر عليها وإرهاب الضحايا حتى لا يحرِّكون قضايا، وما يعلم جنود ربك إلا هو.

(2) قريش هي أشرف قبائل العرب نسبًا، ولكنها مثـَّلت في المرحلة الأولى للدعوة الإسلامية دور: "شرطي العرب" في مواجهة خط "الدين الجديد"، ومازالت تلك المرحلة من مراحل التاريخ القرشي تمثل النموذج الذي يلهم به الشيطان كل من يقوده "حظه العاثر" لـ"يمثل دور الشرطي" في "محاربة الإسلام".

(3) السجدة في قوله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) (فصلت:37-38)، وقد ورد في هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بلغ في قراءته: ( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) (فصلت:13)، جعل عتبة يضع يده في فم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويناشده الله والرحم خشية أن تنزل عليه صاعقة؛ لما يعلمه من صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

(4) وتبع هذا العرض عرض آخر من وفد من قريش، وفي هذه المرة أجابهم الوحي بهذه الآيات: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلا . فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) (الإنسان:23-24)، ثم تلا ذلك نكوص عن لغة الحوار إلى لغة البطش مرة ثانية عن طريق أبي جهل الذي أخذ حجرًا كبيرًا وقال:

"لأفلقن به رأس محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي"، وتحيَّن عدو الله الفرصة، فلما قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي حول الكعبة بين الركنين مستقبل البيت؛ جاء أبو جهل -لعنه الله-، وتقدم نحو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليضربه بالحجر، ورجالات قريش في أنديتهم ينتظرون ما يفعله طاغيتهم -عليه لعائن الله-، فلما دنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولَّى هاربًا منتقع -أي متغير الوجه- اللون مرعوبًا، قد يبست يداه على الحجر، وقام إليه رجالات قريش يقولون: "ما لك أبا الحكم؟ ما أصابك؟".

قال: "قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوتُ منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته -ضخامة رأسه- ولا مثل قـَصَره -أصل العنق- ولا أنيابه لفحل قط، فهمَّ بي ليأكلني!!". وفي هذه الحادثة نزل قول الله -تعالى-: ( كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ . نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ . كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (العلق:15-19).

الصفحة السابقة الصفحة التالية