أقد فرغت يا أبا الوليد؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
(5) في الواقع أن "أبا الوليد الفرنسي" نابليون بونابرت كان معجبًا بالإسلام إعجابًا حقيقيًّا، دينـًا وحضارة، وليس حضارة فقط كحال صاحبه الأمريكي حتى صرح تصريحًا اندهش منه "برنارد شو" والذي تساءل في كتابه "المسيح ليس مسيحيًّا" عن هذا السر الذي دفع بونابرت لكي يصرح بأنه لو قدِّر له حكم العالم فسيحكمه بـ"شريعة الإسلام"، ولقد فعل بونابرت شيئًا من ذلك عندما نقل كثيرًا من أبواب الفقه الإسلامي في القانون الفرنسي، بيد أنه لم يستطع أن يفرض على قومه حرمة الربا والميسر في المعاملات المالية، وحرمة الزنا في نظام الأسرة، وحرمة الخمر والخنزير في الأطعمة والأشربة، مما جعل المجتمع الأوروبي لم يستفد الاستفادة الكاملة من فعل نابليون من الشرع الإسلامي، ولكن نابليون كان كغيره من الساسة "ميكافيلي" لا يعترف إلا بمصلحة قومه إن لم تكن مصلحته هو الشخصية فحسب، ولذلك لما فشلت حيلته في ارتداء ثوب "أبي الوليد" ارتدى ثوب "أبي جهل" فلم يفلح هذا ولا ذاك -بفضل الله-، وإليك ما ذكره العلامة "محمود شاكر" في رسالة: "الطريق إلى ثقافتنا" ملخصًا حال هذه الحملة:
"فلما دخل نابليون القاهرة، وأصدر أمره بتكوين "الديوان" من "تسعة من المشايخ الكبار"؛ استجاب ستة منهم لدعوة نابليون، ثم استجاب أيضًا ثلاثة آخرون لتمام التسعة، بعد رفض "السادات" و"عمر مكرم" و"محمد الأمير" أن يستجيبوا لدعوته، والذي دعا هؤلاء الأشخاص للاستجابة خوفهم على مصير القاهرة التي تركت بلا حامٍ يحميها، بعد أن خذلها حماتها من صناديد الحرب والقتال، وهم المماليك المصرية، فلم يرَ المشايخ سبيلاً إلى حقن دماء العامة رجالاً ونساءً إلا المهادنة، وإلا الصبر والسكينة حتى يكشف الله هذه الغمة بما شاء -سبحانه-.
فكانت استجابة هؤلاء المشايخ التسعة لتكوين "الديوان" منهم أول زلة، وكانت هذه الاستجابة أيضًا أول نجاح حازه "الاستشراق" في "تدجين" بعض المشايخ الكبار، ولكن لم تلبث الأمة خاصتها وعامتها أن رفضت الاستماع إلى هؤلاء المشايخ "المدجنين"، واستمعت إلى آخرين من المشايخ، وإلى صغار طلبة العلم بالأزهر الذين رفضوا نصيحة المشايخ التسعة الكبار، وقامت "ثورة القاهرة" وثورات الأقاليم بعد ثلاثة أشهر من "تدجين" التسعة الكبار، ومن دخول جزَّار القاهرة أرضًا لم تطأها من قبل قدم غازٍ صليبي محترق كالميكافلي "نابليون" الذي غرَّ هؤلاء التسعة، وخدعهم حُسن استقباله لهم، وتوقيرهم؛ خِداعًا لهم بمداهنته ومكره ودهائه.
وكان بعد ذلك ما كان من سفك الدماء ليلاً ونهارًا، جهرة وخفية، لم يستثن الجزار ولا خلفاؤه شيخـًا فانيًا ولا طفلاً رضيعًا، ولا امرأة عاجزة، حتى انكشح هو وجنوده من أرض مصر بعد ثلاث سنوات خزايا مقهورين.