الصيف... آيات وآفات
عبد المعطي عبد الغني • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالمسلم
يتقلب في عبوديته لله -عز وجل- في ليله ونهاره، وفي يقظته ومنامه، وفي صيفه وشتائه؛
يرى عزَّه وشرفه، وسموه في خضوعه وانقياده، وله في كل ما يحيط به فكر ونظر، ويأخذ
مما يمر به الآيات والعِبَر؛ ليندفع بزادها إلى الطاعات، ويمتنع بزواجرها عن
المحرمات.
وقد
جُعلت الدنيا مرآة نرى فيها الآخرة، فكل ما فيها مِن سعادةٍ ولذة ونعيم يذكِّر
بنعيم الجنة، وكل ما فيها مِن ألمٍ وشقاء وبؤس يذكِّر بعذاب النار، وفي فصل الصيف
-ونحن على مشارفه- آيات يراها القريب والبعيد، وعظات تلوح ( لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )
(ق:37) .
- إذا اشتد عليك الحر، فلم تقوَ عليه؛ فاسأل الله أن يقيك حر شمس الآخرة
وحر النار، وقل: يا نفس بينك وبيْن الشمس مسافات بعيدة،
وأنتِ لا تطيقين؛ فكيف إذا دنت الشمس من الرؤوس يوم القيامة؟! ألا يذكرك حر الدنيا
بحر الآخرة؟!
فعن
أبي ذر -رضي الله عنه- قال: ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى
الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ
النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَبْرِدْ. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ
لَهُ: أَبْرِدْ. حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله
عليه وسلم-: إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ
فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ ) (متفق عليه) .
وعن أبي هريرة ـرضي الله عنه- عن النبي -صلي الله
عليه وسلم- قال: ( اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ
يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ
وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا
تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ) (متفق عليه) ، فأشد ما
نجد مِن حرٍّ في دنيانا، إنما هو نفس مِن أنفاسها، فكيف بها؟! أكل بعضها بعضًا،
تكاد تميز من الغيظ، أوقد عليها ثلاثة آلاف سنة، أقل أهلها عذابًا مَن توضع تحت
أخمصه جمرتان يغلي منهما دماغه ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (آل عمران:191) .
- إذا بلغ العرق منك مبلغة، فقل: يا نفس،
أرشح قطرات مِن العرق يضايقك مع ما تجدين مِن وسائل تجفيفه وإزالة رائحته؟! فكيف
بك إذا عرق الجبين في سكرات الموت؟! كيف بك إذا غرق الناس في عرقهم يوم القيامة كل
بحسب عمله؟! إلى أين سيبلغ عرقك يوم القيامة: إلي كعبيك، أم ركبتيك، أم حقويك، أم
سيلجمك العرق؟!
فمِن
حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في أهوال يوم القيامة، قال رسول الله -صلي
الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ عُرِضَ عَلِيَّ مَا هُوَ كَائِنٌ
مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَأَمْرِ الآخِرَةِ، فَجُمِعَ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ بِصِعَيْدٍ
وَاحِدٍ، فَفَظِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ حَتَّى انْطَلَقُوا إِلَى آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-
وَالْعَرَقُ يَكَادُ يُلْجِمُهُمْ... ) (رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني) .
- إذا هربتَ مِن لفح الشمس ولهيبها إلى ظل الدور والقصور، وظل الأشجار
والبساتين؛ فسل نفسك: تحت أي ظل ستكون يوم القيامة؟!
أهل الجنة في ظل ممدود: قال الله -تعالى-: ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ . وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ )
(الواقعة:28-33) ،
وقال -تعالى-: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ
. وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
(المرسلات:41ـ43) .
وهؤلاء في ظل العرش: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ
فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ
فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ
تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ
امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ
أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ
خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .
وكذلك
هؤلاء، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ
يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلاَلِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ
فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي ) (رواه مسلم) .
أما
هؤلاء فلهم ظل أيضًا قال -تعالى-: ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ
مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لا بَارِدٍ
وَلا كَرِيمٍ . إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ . وَكَانُوا يُصِرُّونَ
عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) (الواقعة:41-46) .
رأى
عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قومًا في جنازةٍ قد هربوا مِن الشمس إلى الظل،
وتوقوا الغبار فبكى، ثم أنشد:
مَن كان حين تصيب الشمس جبهته أو
الغبار يخـاف الشيـن والشعثــا
ويألف الظل يبقى في بشاشتـــــــــه فسوف
يسكن يومًا راغـمًا جـدثــا
فـي ظــل مـقــفــرة غبراء مـظـلـمـة يطيل
تحت الثرى في غمها اللبثـا
تـجــهــزي بـجـهــاز تـبـلغـيـن بــــه يا
نفس قبْل الردى لم تخلقي عبثا
فأضح
اليوم لتستظل غدًا؛ إن قومًا آثروا الفانية، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
في سبيل الله، وقالوا: ( لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ )،
فأجابهم القرآن: ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ
كَانُوا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:81) .
- إذا ألهب الحر جوفك، واشتد ظمؤك، وطلبت ماءً باردًا، فاشرب هنيئًا، ثم سل
نفسك مَن يسقيك يوم القيامة؟ ومِن أي الموارد تشرب؟! فقد
كان ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره مِن السلف إذا شربوا ماءً باردًا، بكوا وذكروا