شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الصيف... آيات وآفات

عبد المعطي عبد الغني • قضايا معاصرة

أمنية أهل النار، وأنهم يشتهون الماء البارد، وقد حيل بينهم وبيْن ما يشتهون،

ويقولون لأهل الجنة: ( أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ

مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ )

(الأعراف:50) ،

( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا

كَافُورًا . عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) (الإنسان:5ـ6) ،

( وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا

. عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ) (الإنسان:17ـ18) ،

( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ . خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي

ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ . وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ . عَيْنًا

يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) (المطففين:25-28) .

أما أهل النار فإذا أحرقت النار أجوافهم استغاثوا فيغاثون بماء كالمهل يشوي

الوجوه: ( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا

بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا )

(الكهف:29) ،

وقال -تعالى-: ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ )

(محمد:15) ،

وقال -تعالى-: ( لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا

. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا ) (النبأ:24ـ26) ،

وقال -تعالى-: ( هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ .

وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ) (ص:57ـ 58) .

ومِن

هنا كان على اللبيب أن يعمل ليوم الظمأ عسى أن يكون ظمأ الدنيا زادًا لريِّ

الآخرة، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ

بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

لاَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ

مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ) (متفق

عليه) .

وكان أبو موسى الأشعري في سفينة، فسمع هاتفًا يهتف: "يا

أهل المركب: قفوا. يقولها ثلاثًا، فقال أبو موسى: يا هذا كيف نقف؟ ألا ترى ما نحن

فيه؟ كيف نستطيع وقوفًا؟ فقال الهاتف: أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قال: بلى،

أخبرنا قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطـَّش نفسه لله في يوم حار، كان حقـًا

على الله أن يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر

الذي يكاد الإنسان ينسلخ منه فيصومه".

وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: "صوموا

يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في الليل لظلمة القبور".

قيل لأحدهم: "أتصوم في هذا الحر الشديد؟ قال:

نعم، صمتُ ليوم أشد منه حرًّا، قيل له: فأفطر وصم غدًا، قال: إن ضمنتَ لي البقاء

إلى غدٍ، قال: ليس ذلك لي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه؟!".

وقيل لآخر: "أتصوم في هذا الحر شديد؟ قال:

أفأدع أيامي تذهب باطلًا؟".

- إذا تخففتَ مِن ثيابك مِن شده الحر؛ ألا تذكر أن أهل النار ( قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ

الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ . وَلَهُمْ مَقَامِعُ

مِنْ حَدِيدٍ) (الحج:19-21) ؟!

ألا تذكر أن ( مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ )

(إبراهيم:50) ؟!

أما أهل الجنة ( عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ

وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا )

(الإنسان:21) .

-

إذا متعك الله ببيتٍ في الدنيا تفتح نوافذه، وتجدد هواءه، ونعمك بأجهزة تلطف لك

الهواء، وتبرد لك الماء؛ فاحمد الله، وارم ببصرك إلى حفره ضيقة سيفتح لها باب إما

إلي الجنة وإما إلى النار، واعمل لدار ( مُفَتَّحَةً لَهُمُ

الأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ) (ص:50-51) ،

واحذر دارًا على أهلها ( مُؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ )

(الهمزة:8-9) .

هذا، وكثيرٌ مِن الناس لا تزال قلوبهم لاهية، وعن الآيات غافلة؛ فلا يرون

في الصيف ما يراه أصحاب القلوب الحية، ولا يجدون فيه إلا مرتعًا لشهواتهم المحرمة،

ولذاتهم الآثمة، فصيفهم كله آفات، توجب يوم القيامة لهم الندم والحسرات، منها:

1-

في الصيف تُشد الرحال إلي الشواطئ والمصايف، ويأتي الناس مِن كل فجٍّ عميق؛ زرافات

ووحدانـًا، رجالاً وركبانـًا؛ ليحملوا أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم، حيث يختلط

الرجال والنساء عرايا، في صورة بهيمية، يمجها كل ذي فطرة سليمة، إذ لا غيرة على

الأعراض، وإنما هي الدياثة التي لا يقبلها الحيوان، وهذا لا مبرر له إلا أنه الصيف،

تهدر الكرامات، وتهتك الحرمات، ويختلط الرجال بالنساء، والشباب بالفتيات، أجساد

عارية، وعورات بادية، وتتلاطم أمواج الفتن الظاهرة والباطنة، ويرجع مَن يرجع منهم

إلي بلاده مأزورًا غير مأجور، ومنهم مَن تختم له بخاتمة سوء غريقـًا في وسط

النساء، والمرء يبعث على ما مات عليه.

2- وشدة الحر قد تدفع بعض النساء إلى التخفف مِن الثياب، فتلبس الخفيف

الشفاف، أو القصير الضيق، فتبدو عورتها، وإن سألتها، نطقتْ بما أفتاها به الشيطان:

"الدنيا حر!"، وجهلتْ أن حرَّ الدنيا أهون مِن حر

الآخرة، وغفلتْ عن المصير الذي ينتظر المتبرجات؛ ففي الحديث: ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ

سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ

مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ

الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا

وَكَذَا ) (رواه مسلم) ، وأن الحجاب

فرض على المرأة في صيفها وشتائها، في حرها وبردها، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ

الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ

الصفحة السابقة الصفحة التالية