العقلانييون يرفضون الأصيل ويقبلون الدخيل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالعقل هو النعمة الرئيسية التي كرَّم الله بها الإنسان على الحيوان، والعقل هو آلة الإدراك في الإنسان، وهذه الآلة تستقبل عن طريق الحواس ثم تدير عملية تفكر وتدبر فتخلص إلى نتائج تسمى نتائج عقلية؛ فإذا رأى الإنسان قصرًا مشيدًا فهذه معلومة بسيطة تنتقل إلى عقله الذي يمكن أن يولد منها أمور أخر، من أهمها:
- أنه لابد لهذا القصر من صانع.
- ومنها أن هذا الصانع كان له هدف ما من وراء هذه الصنعة.
- ومنها إجراء مقارنة ذهنية بين هذا القصر وبين قصور أخرى مشابهة.
وهو في ذات الوقت يعجز عن معرفة أمور أخرى على وجه الدقة، وإن كان من الممكن أن يقدرها تقديرًا قريبًا من الصحة، مثل:
- كمية مواد البناء المستخدمة.
- عدد العمالة التي عملت في هذا القصر.
- الوقت الذي استغرقه بناء هذا القصر.
كما أن أمورًا أخرى لا يمكنه أن يعرفها ولو بحدس أو تخمين عن هذا القصر، مثل:
- أعيان من ساهموا في بنائه.
- تاريخ كل الأحجار المستخدمة في البناء، من أين جاءت؟
- مصير هذا القصر أيبقى أم يزيله زلزال، أم تدمره عاصفة، أم تحرقه نيران إلى آخر ذلك؟؟
وكذلك ما هو خاضع للإدراك من ذلك فيتفاوت فيه الناس بحسب قدراتهم العقلية، وحسب التراكم المعرفي السابق على المعلومة القادمة من الحواس حول هذا القصر، والتي استخدمها العقل على الأقل في الأمور التقديرية، وفي شأن المقارنات والموازنات.
وإذا تخطينا هذا المثال الشديد البساطة إلى الأمثلة الأعقد لعلمنا أن للعقل البشري قدرة محدودة لا يتعداها، وأن إقحام العقل البشرى في مجال لا تدرك الحواس ذاته ولا آثاره بدعوى أنه تعامل مع مجالات أخرى، كمن يكلف الدراجة البخارية أن تجر جبلاً من مكانه بدعوى أنها قدرت على حمل رجل من مكان إلى آخر؛ فإذا طبقنا هذا على الإنسان والكون من حوله لوجدنا أنه على الرغم من تضاعف قدرة حواسه لآلاف المرات بما هيأ الله له من الآلات التي تزيد نطاق الرؤية والسمع إلا أن معظم الموجودات في هذا العالم حقيقتها مغيبة على الإنسان.
بل ما زال الإنسان يجهل الكثير عن نفسه، وما زال يعاني من أمراض غامضة، وما زال لم يكتشف بعد دواء لبعض الأمراض مع وجود يقين عام عند الناس بأن دواءها موجود في الأرض؛ فالمسلمون يعتقدون ذلك بخبر نبيهم -صلى الله عليه وسلم- : ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ) (رواه البخاري) ، والملحدون من باب ظنهم أنهم أحاطوا بكل شيء علمًا، وأهل الكتاب حائرون بين المسلكين إلا أنهم في الجملة يؤمنون بأن لكل داء دواء، ولكن أين هو الدواء الشافي من السرطان، ومن الإيدز، ومن أنفلونزا الخنازير؟؟!!
إذن فالعقل البشري عاجز في معظم ما يطرح عليه من قضايا، ولكن هل يمكن أن يستسلم الإنسان لهذا العجز؟
فالواقع أن هذا الاستسلام وإن وجد من بعض التيارات التشاؤمية إلا أنه لم يمثل أبدًا اتجاهًا بشريًا عامًا، وعامة أهل الأرض يسعون لإدراك ذاتهم والكون من حولهم.
وأهل الأرض في هذا الأمر ثلاثة طوائف:
الأولى: أتباع الرسل (1) ، وسوف يأتي الكلام عليهم لاحقـًا.
الثانية: الفلاسفة، وهم الذين أجهدوا عقولهم في تفسير كل أمور الدنيا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مزيد من المعلومات الحسية، وزادوا الطين بلة بأن بحثوا فيما وراء المادة مما لا توجد أي وقائع ملموسة عنه فيما يعرف عندهم بـ"الميتافيزيقا" أي: علم ما وراء الطبيعة.
وكان من الطبيعي جدًا أن خطأهم في الحسيات أكثر من صوابهم -"هذا إن كان لهم صواب أصلاً"-، وهذا ما دعم على الأقل فيما يتعلق بالتاريخ الحديث من ظهور الفريق الثالث وهم التجريبييون.
الثالث: وهؤلاء وافقوا الفطرة عندما أمدوا العقل بمزيد من المشاهدات لكي يستطيع أن يصل بهم إلى نقاط أبعد في إدراك الكون والحياة، وقد كان لاكتشاف هؤلاء سننـًا كونية آثارًا عظيمة أثرَت الحياة على الأرض إثراء عظيمًا، وكان له أثرًا كبيرًا في انهيار صرح الفلسفة في عالم المادة.
ولكن سيظل العلم التجريبي عاجزًا في المجالات الاجتماعية والسلوكية التي لا تظهر آثارها إلا عبر أجيال طويلة مما يعني أن العلم التجريبي في حاجة ماسة إلى واحد من اثنين: إما الدين وإما الفلسفة.
ومن هنا اختلف التجريبييون بدورهم:
- فمنهم من رأى استكمال بنائهم المعرفي من خلال الدين، وإذا حصرنا كلامنا على انتصار المنهج التجريبي في عصر النهضة في أوروبا فسيكون الدين هو اليهودية والنصرانية؛ إلا أن هذا الاتجاه اصطدم بواقع وهو أن الدين ليس مختصًا بالميتافيزيقا فقط، وأن فيه كلام عن عالم المادة، وأن التوراة المحرفة احتوت على سقطات شنيعة في عالم المادة، منها:
- ما ذكرته التوراة المحرفة عن يعقوب -عليه السلام-؛ من أنه بعد الاتفاق مع حموه على قسمة الغنم على أن تكون المخططة ليعقوب كان يضع أعواد مخططة أمام الغنم العشر لتتوحم عليها حتى استطاع بهذه الحيلة تحويل معظم القطيع إلى غنم مخطط -"ولا أدري هل من الممكن أن يكون داروين قد استقى نظريته في تطور الأنواع من هذه الحيلة الكاذبة واقعًا والمحرمة شرعًا على فرض حصولها"-.
- ومنها: الفصول الطويلة التي في التوراة حول مرض البَرص بما يخالف أبسط المبادئ العلمية؛ ولم يكتفِ كاتب التوراة بالدخول في تفاصيل طبية لا يعرفها حول مرض البرص، بل تعدى ذلك إلى الكلام عن برص الجدران والثياب، وكيفية اكتشاف المعدي من ذلك من عدمه!! فتبين من ذلك أن هذا الدين لا يصلح أن يكون مصدرًا للمعرفة، ومما يؤسف له أنهم بدلاً من أن يبحثوا عن الدين الصحيح ليأخذوا منه المعرفة أطلقوا القول بأن الدين كل الدين لا يصلح للمعرفة!!
- ومنهم من يرى استكمال بنائه المعرفي من الفلسفة.
ومنهم من ازدرى محاولة إدراك أي شيء خارج عن نطاق التجربة والرصد، وهو الاتجاه المسيطر على الفكر الغربي الآن.