العقلانييون يرفضون الأصيل ويقبلون الدخيل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فإذا تركنا هؤلاء لبرهة لننظر ماذا قدَّمت الرسالات السماوية للبشرية -"حصرنا الكلام في الرسالات السماوية هنا؛ لأن الأديان الوضعية لا تعدو أن تكون ضَربًا من ضروب الفلسفة"-، سنجد أن الرسالات السماوية تخاطب في الإنسان عقله لتصل به إلى نتائج محددة كما نجد ذلك في القرآن (2) ، فمن ذلك:
1- إلزام العقل بوجود الخالق كما في قوله -تعالى-: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ) (الطور:35-36) .
2- إخباره بأن خالقه لا يمكن أن يتركه عبثـًا: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (المؤمنون:115) .
3- إخباره بأن الرسل جاءت بالبينات التي تدل على صدقهم من معجزات حسية شاهدها أهل زمانهم؛ بالإضافة إلى المعجزة الكبرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- "القرآن الكريم"، والذي تدل عدة أمور على أنه من عند الله، منها:
1- إحكام نظمه وإتقانه، يعرف ذلك كل من عرف كلام العرب.
2- عجز أعدائه أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله مع كثرتهم وتوافرهم، وكثرة ما ينفقون من أموال وأنفس لمحاربته إلى يومنا هذا.
3- تيسيره للذكر والحفظ بحيث لا يكاد يوجد كتاب على ظهر الأرض يحفظه الملايين بحروفه إلا القران، بل ربما حفظه من لم يعرف كلام العرب.
4- سمو تشريعاته وأحكامه، وما تبين للبشرية من عبر تاريخها من المصالح في تشريعاته.
5- الأخبار المستقبلية التي لم يتخلف شيء منها.
5- الحقائق العلمية التي لا يمكن أن يدركها بشر في زمان نزول القرآن، ومن أظهرها تصوير مراحل خلق الجنين تصوير لم يصل إليه البشر إلا منذ عشرات السنين.
إذن فالإسلام يأخذ الإنسان العاقل في جولة عقلية لابد وأن ينتهي منها الإنسان إلى وجود الرب -تبارك وتعالى-، وصِدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- المبلغ عنه وصحة نسبة القرآن إليه، وتعتبر هذه النقطة فاصلة ينتقل عندها العقل من دور القائد إلى دور التابع، وإلى هذا أشار بعض السلف بقوله: "العقل كالدابة توصلك للسلطان ولا تدخل بها عليه"، وقد فهم بعض الناس أن معنى هذا أنه بمجرد إيمانه ينتهي تمامًا دور عقله، ولكن الصحيح أن العقل الذي قاده إلى معرفة الإله والرسول يُلزمه بأن يقبل الرسالة، ويوقن بصدق جميع أخبارها، وبحكمة جميع أحكامها؛ لأنها من عند الخبير البصير، وفي هذا المعنى يقول الله -تعالى-: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) ، أي: ألا يعلم الخالق المخلوق -"على خلاف بين السلف في أيهما مظهر وأيهما مضمر".
ويمكن التمثيل لذلك بمثل أكثر وضوحًا؛ وهو: كيف أن العقل يدل المريض على أهمية الذهاب إلى الطبيب ثم إن العقل ذاته يأمره بالتسليم للطبيب وعلى الرغم من أن الطبيب بشر يخطئ ويصيب، وأن معرفته من حيث الجملة مقدورة لغيره إلا أن العقل يُلزم الإنسان بالتسليم للإنسان الأعلم منه، فكيف بالنسبة لله العليم الخبير؟!
وإذا استصحبنا مثال المريض والطبيب معنا فيمكننا أن نلخص دور العقل في مرحلة ما بعد الذهاب إلى الطبيب في نقطتين رئيسيتين:
الأولى: الفهم عن الطبيب فيما يبين من أسباب الداء وطرق الدواء.
الثانية: في المراقبة العامة على الخطأ الذي يمكن أن يتم في التطبيق كالخلل الذي يمكن أن ينشأ من التباس خط الطبيب على الصيدلي فيراجع اسم الدواء وأثره، ويطابق هذا على حالته وعلى ما ذكره له الطبيب.
وإذا عدنا من المثال إلى قضية دور العقل مع الشرع فسنجد الإبداع في مجال العلوم التجريبية الذي حلـَّق فيه المسلمون تحليقـًا واسعًا مسترشدين بالإشارات العامة جدًا التي في الشرع إلى هذه العلوم، مثل:
قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( مَا مَلأَ آدَمِىٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الآدَمِىِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتِ الآدَمِىَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، ( فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، في "باب الطب".
ومثل قول الله -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) (الحديد:25) ، في باب "الصناعة والتعدين"، ومثل قوله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (الأنبياء:30) ، في باب "الأحياء".
هذا كله مصحوبًا بالإذن العام بالبحث والتنقيب: ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) ، وأما الإبداع في المسائل الشرعية فبحر لا ساحل له؛ مدح الله أصحابه ورفع النبي -صلى الله عليه وسلم- شأنهم فقال: ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) ، والفقه: الفهم.
ولنا أن نتأمل في مقدار السرور الذي كان منه -صلى الله عليه وسلم- لما استنبط أبي بن كعب -رضي الله عنه- أن أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، ومقدار ما تمنى عمر أن لو كان ابنه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قد صرَّح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما وقع في نفسه من الشبه بين المؤمن والنخلة.
ثم إذا نظرت إلى ترتيب الأحكام على المسائل فيما عرف بـ"علم الفقه" على يد "أبي حنيفة"، وترتيب الأدلة على هذه المسائل فيما بعد على يد الإمام "مالك"، وانتزاع أصوله من فروع على يد "الشافعي"، وجمع السنة على يد الإمام "أحمد" تدرك أن العقل المسلم قد أبدع في باب العلم الشرعى إبداعًا لا يدانيه أي إبداع عقلي في تاريخ البشرية.
ويأتي قمة الإبداع العقلي المنضبط شرعًا في علم أصول الحديث الذي أخذ قاعدتين شرعيتين فصاغ منهما علمًا تميزت به الأمة حتى عرفت بـ"أمة السند"، فأما الأولى منهما:
فهي قول الله -تعالى- : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) .