شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقلانية بين القديم والجديد... تعددت الاهتمامات والمنهج واحد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تناولنا في مقال: "العقلانيون يرفضون الأصيل ويقبلون الدخيل" الاتجاه العقلاني، وذكرنا أن العقلانيين على اختلاف مشاربهم أقوام تأثروا بالفلسفات الوافدة سواء منهم من ذهب إليها مسترشدًا أو من ذهب مناظرًا؛ بيد أنه وافقهم في قليل أو كثير، وأنهم عادوا من رحلاتهم الفلسفية بـ"قناعات عقلية" ظنوها "قطعيات عقلية"، وحيث إنه من المُسلـَّم به أن الشرع لا يمكن أن يعارض القطعيات العقلية فقد اضطر هؤلاء لرد ما يتعارض من الشرع مع قطعياتهم العقلية، وسلكوا في ذلك مسالك تنوعت بين رد حجية السنة ككل، أو رد حجية أحاديث الآحاد ككل أو ما تتعلق منها بباب العقيدة على وجه الخصوص.

وقد بينا أن المشكلة عندهم تصورهم أوهام الفلاسفة قطعيات، ولو تأملوا لأدركوا حقيقتها، وبالتالي لم تفلح معهم ردود أهل السنة والتي ركزت في المقام الأول على أن ما ثبت في الكتاب والسنة هو الحق -وإن توهم خلافه من توهم-، بيد أن الشبهة بقيت عالقة في أذهان القوم.

وبينّا أن تبني شيخ الإسلام لهدم ما توهموه من القطعيات العقلية وبيان أنه ليس من القطعيات، بل هو من الأغلاط أو من الأوهام أو من المحارات، كان له أثرًا بالغـًا في اندحار هذا الاتجاه، وواضح من السياق أن التجربة قابلة للتكرار، وبالفعل حدث هذا.

بدأت الحركة العقلية الجديدة في مرحلة الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين وما صاحبها من حرب فكرية انصبت في الأساس على إيجاد قناعة لدى المسلمين أن الدين هو سبب هزيمتهم، وأن الخلافة الإسلامية هي سبب تراجعهم؛ فمن الناس من تشرب بذلك من دعاة التغريب حتى صار في خصومة مع الدين، ولعل بعض كتابات "طه حسين" تمثل نموذجًا على ذلك، ومنهم من تأثر تأثرًا بالغـًا بالحضارة الغربية دون أن ينتقل إلى خانة المعاداة مع الدين كـ"رفاعة الطهطاوي"، ومنهم من تأثر بنمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم دون أن يتطرق كثيرًا إلى غيرها كـ"عبد الرحمن الكواكبي" في الغرب، ومنهم من دعا إلى صحوة إسلامية، لكن مع محاولة تفادي الصدام مع الغرب، ومع محاولة الاستفادة من بعض ما عندهم كـ"جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده" (1) ، والذي نسبت المدرسة العقلانية الحديثة إليه لأسباب من أهمها:

1- أن تراث الشيخ محمد عبده بقي ملهمًا لقطاع كبير من العقلانيين بعده؛ مما يجعله يرقى إلى الدرجة التي يطلق عليه وصف مدرسة فكرية.

2- أن محمد عبده شيخ أزهري ساهم في عرض عقيدة الإسلام فوق أحد المذاهب الكلامية القديمة "الأشعرية"، وهو وإن كان مخالفـًا لمذهب أهل السنة إلا أن كثرة من انتمى إليه من الفقهاء خففت من حدة المواجهة معه.

3- كما أنه ساهم في رد بعض الشبهات عن الإسلام، وفي تثبيت الإيمان العام الذي تعرض لهزة كبيرة من جرَّاء الأبواق الكثيرة التي ربطت بين الإسلام وبين الهزيمة كما أسلفنا من قبل، ونستطيع أن نقول:

إن الشيخ محمد عبده قد نجح إلى حد كبير في تغيير الرأي العام آنذاك إلى أن: "ترك الإسلام هو سبب الهزيمة لا التمسك به".

وهو صاحب نظرية: "إن الغرب تقدم لما أخذ بمبادئ الإسلام في الوقت الذي تركناها".

كما أجاب في إحدى مناظراته مع "القنصل الفرنسي" بأن دين النصارى يقول: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، ودين المسلمين يقول لهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:60) ، ولكن أخذ الغرب بما عندنا، وأخذنا بما عنده (2) .

4- أن للشيخ محمد عبده ودعوته لفتح باب الاجتهاد، بغض النظر عن استكماله لأدواته من عدمه أثر كبير في نفي شبهة عدم ملائمة الإسلام للعصر الحديث؛ إلا أنه أسرف في الاستحسان العقلي، وهو ما ينسجم مع تكوينه الفكري العام، وإن كان حرص في الجملة أن يربط آراءه بأحد أبواب الاجتهاد الأصولي: كالقياس، والاستحسان الأصولي، وهذه الجزئية توسعت فيها المدرسة العقلية المعاصرة جدًا.

5- وقف محمد عبده موقفـًا حادًا من تخاريف الصوفية، وهذا موقف كان لا بد منه بغض النظر عن الأدلة في هذا الباب؛ ولكن لأن الغرب كان يستخدم الواقع الخرافي للصوفية كأحد أهم الأدلة على أن الدين هو مصدر التخلف (3) .

6- لم يقف محمد عبده موقفـًا عدائيًا تجاه المدرسة السلفية لا سيما مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهي مدرسة تجبر العقلانيين على احترامها لما قدمته من نقد عقلي متين لكل التراث العقلي، ولكن محمد عبده تخطى مرحلة الإذعان الاضطراري لتراث ابن تيمية وابن القيم إلى مرحلة الادعاء بانتمائه للمشروع التجديدي لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وهو ادعاء لا يخلو من مجازفة كما سنبين وإن كان يشاركها في رد خرافات الصوفية، وإن اختلفت المنطلقات التي يرد بها كل منهما الصوفية؛ لأن الصوفية مصادمة للعقل والنقل معًا فكان من الطبعي أن تـُرد من الفريقين.

كما أن إغلاق باب الاجتهاد مخالف للعقل والنقل معًا فكان من الطبعي أن ترد من الفريقين، وكما أن نفي الحكمة والتعليل في الأحكام مصادم للعقل والنقل معًا فكان من الطبعي أن يردها الفريقين معًا، وإن كان العقلانيون يتوسعون في هذا الباب توسعًا لا يرضاه السلفيون إلى الدرجة التي جعلت ابن القيم -رحمه الله- في كتابه القيم: "إعلام الموقعين" بعد أن "أشبع" أهل الظاهر نقدًا عرَّج على أصحاب الرأي فبالغ في نقدهم مبينـًا لهم أن أهل الظاهر على انحرافهم أقرب إلى الحق منهم، فإذا كانت حتى القضايا المشتركة فيها هذا القدر من الخلاف فما بالك بالمسائل الخلافية أصالة؟!

وموقف ابن تيمية من تبديع الأشاعرة لا سيما مَن عاصره، وردّه على متقدميهم واضح جدًا، وكذلك تبديعه لمن ينكر بعض الغيبيات: كتفاصيل الإيمان باليوم الآخر، وتفاصيل ما ورد بحق الجن، ونسبة محمد عبده نفسه لابن تيمية لا تلزم ابن تيمية، ولا تشفع لمحمد عبده أن يكون رمزًا سلفيًّا كما يدعي بعض المعاصرين!!

الصفحة التالية