شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقلانية بين القديم والجديد... تعددت الاهتمامات والمنهج واحد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

المقصود بيان أن كل هذه العوامل جعلت لمدرسة محمد عبده أثرًا كبيرًا على أرض الواقع؛ إلا أن التطور الأكبر كان بعد وفاة الشيخ محمد عبده -والذي وبعد اطلاعه على تراث ابن تيمية وابن القيم بدرجة أكبر كنتيجة مباشرة لاعتناء الحركة الوهابية في طبع تراثهما ونشره في العالم كله- انتهى "محمد رشيد رضا" إلى أن تخلص من كل الأصول العقلانية ليحل محلها أصول الاتباع السلفية، وإن بقيت شائبة من آراء عقلية من إنكار بعض الغيبيات رفضها محمد رشيد بدعوى عدم صحة النصوص المثبتة لها، وصرَّح بأنها لو صحت لقال بها، ومثل هذا يقال عنه إنه اتبع المنهج السلفي، ولكنه اخطأ في التطبيق كما أخطأ غيره ممن هم أعلم وأجل "وإن كان قد تأثر في خطأه بقناعات قديمة ولا شك".

ما زال العقلانيون يبكون على اليوم الذي سلـَّم فيه "محمد عبده" قيادة مدرسته إلى "محمد رشيد رضا"، ومن تلاميذ "محمد رشيد رضا" خرج الشيخ "محمد حامد الفقي" مؤسس "أنصار السنة المحمدية"، وخرج الشيخ "حسن البنا" مؤسس "جماعة الإخوان"، وسوف نتجاوز الفترة من عشرينات القرن العشرين إلى سبعيناته؛ حيث خرجت الحركة الإسلامية المعاصرة من المتأثرين بهذين الحركتين مع الصقل الذي جاء عن طريق الاحتكاك المباشر بكتب ابن تيمية وابن القيم، وكتب علماء الدعوة الوهابية المعاصرين، وكتب العلامة "الألباني".

ولتأخذ الحركة الإسلامية صبغة سلفية واضحة، والتي انطلقت من أمل كبير بنصر كبير، وهو كذلك -بإذن الله-، بيد أنه يحتاج معه إلى ذلك التحذير الذي حذره النبي -صلى الله عليه وسلم- لخباب -رضي الله عنه-: (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري) ، ونتيجة لعدم اكتمال الصحوة الإيمانية من جهة، ولاستنفار الغرب لمواجهتها من جهة أخرى تعثرت الصحوة، ومع وجود داء الاستعجال تحرك المفكرون بفكرهم وكانت فكرة: "أن في الغرب إسلامًا بلا مسلمين" ما زالت تعيش داخل نفوس الكثيرين؛ الذين وكأنهم نفضوا أيديهم وبسرعة من النصر القادم من عقر دار الإسلام؛ فأصبح السؤال الملح: ما الذي يمنع الغربيين من دخول الإسلام إذا كانوا يعيشونه واقعًا؟!

كان التعليل الذي مال إليه كثير من العقلانيين: أن بعض القضايا التشريعية في الإسلام تعتبر ثقيلة على الغربيين لا سيما فيما يتعلق بالمعاملات، وعلى رأسها قضية المرأة، وقضية الالتزام بالهدي الظاهر، ونظام الحكم، والعلاقات الدولية، والحريات الدينية.

ومن ثمَّ فقد رأى العقلانييون أنه لا بأس بتهميش هذه القضايا؛ لا سيما إذا كان الخطاب موجهًا إلى الغرب؛ بيد أن الساسة والمفكرين في الغرب وجدوا في ذلك الاتجاه فرصة سانحة لفرض حضارتهم ونمط حياتهم على جميع الأمم، وعلى رأسها أمة الإسلام ومن ثمَّ كان رد فعل الغرب تجاه أي خطوة تنازل جديدة هو مطالبة صاحبها أن يعلن ذلك على المسلمين، وأن يدعوهم إليه وبعد استقرار ذلك يطالبون بمزيد من التنازلات، وربما قدمها نفس الشخص أو نفس الاتجاه، وربما تمنعوا فحمل راية "التلفيق" أقوام غيرهم (4) .

وقدم العقلانييون تنازلات كثيرة فمستقل ومستكثر، ولأن هذه التنازلات مصادمة بطبيعتها للنصوص الشرعية، فقد استعار هؤلاء نفس أدوات المعركة من محاولة إزاحة النص لصالح العقل الغربي أو إن شئت قلت المزاج الغربي، والهوى الغربي فمنهم من أنكر حجية السنة مطلقـًا، ومنهم من توسع في تطبيق قاعدة رد الحديث إذا خالف القطعيات فاعتبر أهواء الغربيين في حب الكلاب واقتنائها، بل وأكلها قطعيات عقلية تـُرد من أجلها السنن، واعتبر هوس الغرب بحرية المرأة وحرصهم -شهوة من البعض وطلبًا للفساد في الأرض من البعض الأخر- لإخراجها للعمل، وتوليها الولايات قطعيات عقلية، واعتبر في سبيل دفع المسلمين إلى أن يكون مظهرهم غربيًا عسى الغرب يرضى عنا أن كل نص يتكلم عن الهدي الظاهر مخالف للعقل الذي يحتم وفق وجهة نظرهم الاهتمام بالجوهر وترك المظهر، والاهتمام باللب وترك القشر؛ مع أننا فوجئنا أنهم بعد أن زعموا لنا ضرورة ترك المظهر "الإسلامي" لصالح الجوهر "الإسلامي" وحيث إنه لا بد لكل شخص أو مجتمع من مظهر فقد تحولت دعوتهم إلى ترك المظهر "الإسلامي" واستبداله بالمظهر الغربي.

وهكذا تولدت مدرسة عقلية تعادي من السنن كل ما يزعج الغربيين في جوانب التشريعات المتعلقة بالنواحي الحياتية، وإن كانوا كأسلافهم يصلون، ويصومون، ويزكون، ويحجون وفق نفس السنة التي يطعنون عليها.

وبهذا العرض لقصة العقلانيين؛ القدماء منهم والمعاصرون؛ نتبين أنهم يتعاملون بنفس النهج مع النصوص الشرعية التي لا تروق لهم مع اختلافهم في الاهتمامات، وفي النتائج، وإذا كانت أبرز فرقة عقلانية في التاريخ القديم كانت ذات منهج تصادمي يرى كفر مرتكب الكبيرة، وإن تجمل في اللفظ فأوقفه في منزلة بين المنزلتين، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حد المصادمة، بينما أنتجت العقلانية الحديثة اتجاهًا مهادنـًا يحاول تبرير الواقع المحلي والواقع العالمي، ويتبنى الحرية الفردية وفق المفهوم الغربي إلى الحد الذي تبهت معه جدًا قضية لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (5) .

- وكما أورثت المدرسة العقلانية القديمة الأمة اختلافـًا واضطرابًا إلى حد قول قائلهم:

حجج تهافت كالزجاج تخالها حـقـًا وكـل كـاسر مكسور

كذلك لم تكن المدرسة العقلانية الحديثة بأسعد حالاً من سابقتها فهي تعيش أزمة فقدان البوصلة وغياب المرجعية، ولا تكاد تميز بين ما يقر كل منهم وما ينكر.

وإلا فهاهم يتبرأون من جرأة الترابي في إفتائه بـ"جواز زواج المسلمة من الكتابي"، وغيرها من شذوذاته، والذي دافع عن نفسه بأنه لم يفعل أكثر مما فعله الغزالي والقرضاوي بنصوص أخرى.

وهذا "عمرو خالد" يستحسن الذهاب إلى "الدنمرك" بمشاركة "السويدان" ومباركة "سلمان العودة" فيخطئهم شيخهم "القرضاوي" بأنهم لم يستشيروا علماء الأمة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية