العقلانية بين القديم والجديد... تعددت الاهتمامات والمنهج واحد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وأخذوا يفتشون عن أي شبهة يلصقون بها الاشتراكية للإسلام معرضين عن البينات الواضحات فتمسكوا بموقف فردي لأبي ذر رضي الله عنه -والكلام على هذا الموقف الفردي يحتاج إلى تفصيل-، وهل ادعى حرمة اكتساب المال الكثير وإن كان من حلال أم أنه اختار لنفسه الزهد في المال ابتداء حتى لا يسأل عنه يوم القيامة؟؟!
وتمسكوا بحديث: (الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ فِي الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، والحديث معناه: أنه لا يجوز للإنسان أن يمنع فضل مائه ولا عشبه، ولا ناره، فهذه أمور مخصوصة، إذن فالحديث حجة عليهم لا لهم، فإنه نص على هذه الثلاثة، إذن فالباقي له أن يمنع فضله، وقد أجرى الله الحق على لسان شوقي في براءة الإسلام من الاشتراكية من حيث لا يدري حينما أراد أن يمدح اشتراكية الإسلام فقال:
الاشتراكيون أنت إمـامهم لولا دعـاوى الـقـوم والغلواء
داويت متئد وداووا طفرة وخير من بعض الدواء الـداء
والبيت الثاني رد على الأول... فهل يجعل من داوى الأمر برمته تابعًا لمن داوى شيئًا منه؟!
وقد ظهرت عيوب الاشتراكية -والحمد لله- لكل ذي عينين... فأصبحوا اليوم يقولون:
"الإسلام ديمقراطي" و"الشورى هي الديمقراطية"! وكانوا قديمًا يقيدونها بقيد ألا تعارض الشرع، وحيث إن هذا القيد بمثابة تعريف جديد للديمقراطية فقد قبله الغرب لفترة، ثم عاد ليطالب الديمقراطيين الإسلاميين بحذفه فتم حذفه نظريًا وعمليًا في كثير من التجارب كالتجربة التركية، وقبلت جماعة الإخوان في مصر بكثير من ذلك إلى أن احتدم الخلاف الداخلي حول جواز ولاية الكافر، ومنهم من قبلها ومن رفضها، واضطر كثير من الرافضين إلى تخريجها على مبادئ الديمقراطية.
وكذلك من الناحية الاقتصادية نادوا برأسمالية الإسلام وزعموا أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد حر ليبرالي، بل جاوز بعدهم المدى بادعاء أن الإسلام ككل ليبرالي حتى صار مصطلح: "الإسلام الليبرالي" شائعًا جدًا في هذه الأيام.
وفي واقع الأمر فإن القـَدْر المشترك بين الإسلام والاشتراكية أو من الجهة الأخرى القدر المشترك بين الإسلام والرأسمالية لا يسوِّغ نسبة هذه المذاهب إلى الإسلام، ولا نسبة الإسلام إليها كما أن القدر المشترك بين الإسلام وبين معظم أديان الكفر في اعتقاد وجود الخالق لم ينفِ عنها صفة الكفر ولم يجعلها إسلامًا.
(5) ومن مسالك المدرسة العقلانية القبول بمبدأ: "الغاية تبرر الوسيلة" وإن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال، بل إن أصل الفكرة قائم على ذلك؛ فهم في سبيل الدفاع عن الإسلام أو الدعوة إليه -بزعمهم- يعرضون عن نصوص الشرع بالرد أو بالتأويل والكذب؛ فبينما يرفضون سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوى التشكك في ثبوتها يقبلون من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة إذا كان يخالف هواهم، والذي ندين لله به أن الوسيلة الشرعية ينبغي أن تكون شرعية، كما أن الغاية ينبغي أن تكون شرعية؛ قال -صلى الله عليه و سلم-: (لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) (رواه مسلم) .
وأما ما تمسك به بعضهم من قول الأصوليين: "إن الوسائل لها أحكام المقاصد"؛ فمقصودهم بذلك: الوسائل المباحة؛ لأنهم يذكرون ذلك في معرض بيان متى تتغير الأشياء التي أصلها الإباحة عن هذا الأصل، وأما الأمور المحرمة فلا يجوز استعمالها إلا في حالة الضرورة، والتي ينبغي أن تقدر بقدرها كما هو مبسوط في موطنه.