شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقلانية بين القديم والجديد... تعددت الاهتمامات والمنهج واحد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

بل هاهو القرضاوي ينتهي به نظره إلى أنه آن الأوان لإيقاف مسلسل المجاملات المكذوبة للشيعة تحت شعار: "التقريب"؛ فيخرج عليه "العوا" معترضًا إلى الدرجة التي جعلت اتحاد علماء المسلمين لا يتسع لهما معًا، مع إننا نقطع أن "العوا" يعلم من فضائح الشيعة ما يعرفه القرضاوي إلا إن "القرضاوي" رأى أن "الكيل قد فاض" بينما "العوا" ما زال "كيل مجاملته للشيعة يسع الكثير"! وكلاهما يريد المصلحة الإسلامية فيما نظن، ولكن "كم من باغ خير لا يبلغه"!

وهذا آخر هداه تفكيره إلى أن إرضاع المرأة لزميلها في العمل يحل مشكلة الخلوة في أماكن العمل، ولو كان الغزالي حيًا لقال فيه ما قاله مالك في الخمر، وكل منهما سيكون متحاكمًا إلى عقل نفسه.

ولو أخذنا نعدد الأمثلة لطال بنا المقام جدًا، ولا ندعي أن رد الناس إلى النص سوف يرفع الخلاف، ولكنه سوف يضيق دائرته جدًا؛ بالإضافة إلى أن هذا واجب أصالة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكرنا من كل اتجاه رمزا من رموزه، مع مراعاة أن هذه الحقبة التاريخية طويلة، ولم يظهر كل هؤلاء دفعة واحدة، وإن كانت كل هذه الآراء تواجدت جنبًا إلى جنب على طول الفترة، ومن الجدير بالذكر أن موقف أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة من هؤلاء قد تفاوت تفاوتا بينـًا بين من يرى: أن كل هؤلاء أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون بما يقومون من عملية تغريب وذوبان في الغير، والبعض الآخر يرى: أنهم لـُبس عليهم، وعلى أية حال فالمقام هنا مقام تقييم أفكار لا أشخاص، ومن ثمَّ فينطبق علي حالنا قول القائل الذي عوتب في رده على "كشاف الزمخشري" على أساس أنه تاب من الاعتزال، فقال: "إن تاب فما تاب كشافه".

(2) مع أن هذا الطرح في هذا السياق صحيح إلا أن الشيخ محمد عبده بالغ في هذه النظرية حتى قال: "إن عند الغرب إسلامًا بلا مسلمين وعندنا مسلمين بلا إسلام"، وهو بذلك أعلى الجزء الذي اقتبسه الغرب من الإسلام في الأخذ بالأسباب والسعي في تحصيلها، والاهتمام بالعمل والنظام، وقدر من الأخلاق العامة يضمن استقرار المجتمع، وهذه نظرة غير سديدة تهدر قيمة العقيدة الإسلامية، وتهوِّن من خطر الشرك الذي عليه هؤلاء القوم.

ولبيان فساد هذا التصور نضرب ذلك المثال: هب أنك تعاقدت مع شركة بناء لبناء مسكن واشترطت عليهم الكثير من التفاصيل؛ فلا شك أن الحالة المثلى هي إنجاز العمل كاملاً، ولكن وجد نوعان من التقصير:

الأول: كان عن طريق الاقتصار على إقامة الأعمدة دون استكمال الجدران والتشطيبات.

والآخر: أقام بناء هيكليًا من الورق المقوى وأتم فيه كل أنواع التشطيبات أفيعقل أن يـُثنى على الثاني حتى ولو كان في مقام المقارنة مع صاحبه أو حتى في مقام تحفيز صاحب الأعمدة على اللحاق به؟! إن المسلم الموحد العاصي لا سبيل إلى تحفيزه إلى العمل الصالح إلا بعرض النماذج التي عملت بالإسلام أصولاً وفروعًا، وأقامت بنيانه كما أمر الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة:208) .

ومما ساهم في انتشار هذه النظرة لدى كثير من الخاصة -فضلاً عن العامة- إلى يومنا هذا أنها ترضي العاطفة الإيمانية حيث تجيب عن التساؤل: "كيف ينصر الله الكفار على المسلمين؟!" بإجابة مقنعة ظاهرية، مع أن الإجابة الصحيحة هي: أن الله لا ينصر المسلمين لمجرد إسلامهم، بل ينصرهم إن قاموا بدين الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7) .

وأما المسلمون المقصِّرون فغالبًا ما يخلي الله بينهم وبين أعدائهم وفق الموازين المادية، وهذا التقصير يشمل التقصير في إعداد العدة المادية المتاحة، ولكنه يشمل قبل ذلك إعداد العدة الإيمانية، وهذا الخلاف في التصور عن أزمة العالم الإسلامي المعاصرة مثـَّل أحد أهم أسباب الخلاف بين الاتجاه السلفي والاتجاه العقلاني؛ حيث انصرف السلفيون إلى دعوة المسلمين إلى العودة إلى الإسلام في المقام الأول؛ بينما انصرفت جهود العقلانيين إلى البحث عن السبب الذي يمنع من دخول الغربيين في الإسلام رغم أنهم يعيشونه واقعًا في حد تصور الشيخ محمد عبده، وكان التعليل المطروح: أن بعض القضايا التشريعية يستثقلها الغربيون فحاولوا تهميشها على الأقل أمام الغرب، وهذا هو الأساس الذي انطلقوا منه.

(3) مرت أوروبا بمراحل في تاريخها:

الأولى: مرحلة وثنية العقيدة علمانية الحياة.

الثانية: مرحلة مسيحية العقيدة والشريعة، وهي شريعة جائرة من وضع الأحبار والرهبان بلغت من جبروتها التدخل لفرض نظريات علمية على حساب أخرى.

الثالثة: مرحلة العلمانية المعاصرة وهي الفترة التي تزامنت مع الاستعمار الحديث، ومن ثمَّ كانت خطتهم نشر علمانيتهم في بلاد المسلمين، ووجدوا أن الصوفية تصلح أن تكون ممثـِّلاً للإسلام في معركة مع العلم يخرج منها العلم منتصرًا، كما خرج منتصرًا من معركته مع الدين الخرافي للكنيسة!

الرابعة: وهي نتيجة لفشله في فرض دينه العلماني على بلاد المسلمين فشعر بالخطر في أن يؤدي الفراغ الديني عند العامة في الغرب مع استمرار وجود الإسلام كدين حيوي قائم على ظهر الأرض فعاد ليعيد إلى دين الكنيسة قدرًا من الاعتبار مع حصاره داخل الكنيسة، وعدم خروجه منها إلا بإذن؛ كخلق رأى عام في قضية ما كالمخدرات، وبناء على طلب من الساسة المدنيين؛ وهذه المرحلة الحالية أثرت في دعم الغرب لتيار المدرسة العقلانية الحديثة كما يأتي -إن شاء الله-.

(4) وقد أوقعهم ذلك المنهج التلفيقي في تناقضات عظيمة؛ فلما علا نجم الاشتراكية رام قوم التوفيق بينها وبين الإسلام حتى قالوا: "إن الإسلام اشتراكي"، مع وجود من كان من الصحابة يجهز جيشًا بأكمله من ماله، وهو عثمان -رضي الله عنه-، ومنهم أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم -رضي الله عنهم-، وقد كانوا ممن رزقهم الله مالاً وفيرًا، ولم ينكر عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما داموا اكتسبوه من حل ووضعوه في حل.

الصفحة السابقة الصفحة التالية