أنفلونزا الخنازير وأخواتها... وماذا بعد؟!
إيهاب الشريف • التزكية
وقد تتعرض في مسيرة الحياة لأزمات وشدائد؛ فادخر هذا العفاف واجتناب الفواحش للخروج من كهف البلاء، ورفع صخرة الشدة كما في حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم صخرة وهم في الغار؛ فتوسل أحدهم بعفته عن ابنة عمه التي يحبها، وفي أحرج الساعات لما جلس منها مجلس الرجل من زوجته فقام عنها خشية لله -عز وجل-، فرفع الله عنهم البلاء.
وانظر كيف يكون قبر الذين يتهاونون بهذه الفاحشة، وتعدوا هذا الحد في وصف دقيق من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد رآهم في تنور "فرن" وهم عراة، ويأتيهم لهب من أسفل منهم فتعلوا أصواتهم ويشتد نحيبهم، وهكذا هم في قبورهم إلى قيام الساعة "كما في البخاري" .
والأمر الأشد والخطب الأفظع فيما ينتظرهم يوم القيامة إذ لا ينظر الله إليهم: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) (رواه مسلم) .
والمتأمل في الآيات المحرمة للزنا يجد أنها لم ترد بلفظ: "ولا تزنوا"، وإنما بلفظ: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ، فنهينا عن الاقتراب من هذه الفاحشة؛ ولذا جعل الإسلام أسلاكًا شائكة وإجراءات للحيلولة دون وقوع هذه الفاحشة، وكل حادثة وقعت فإنما هي تسلل وثغرات من خلال هذه الأسلاك.
ومن هذه الإجراءات:
1- أن الله -تعالى- حرم الزواج ممن عرف بالفاحشة حتى يتوب: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور:3) .
2- أن الله حرم البذاء ومنع الفحش في القول، وكره التلفظ بالسوء: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) (النساء:148) .
3- أوجب على المسلم إذا سمع عن أخيه سوءًا أن يظن به البراءة من الإثم كما هو طاهر وبريء: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) (النور:12) .
4- حرم القذف بالفاحشة وجعل لذلك عقوبة زاجرة: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (النور:4) .
5- حرم مجرد حب إشاعة الفاحشة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (النور:19) .
6- حرم التبرج على النساء وفرض عليهن الحجاب: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب:33) .
7- تشريع الاستئذان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (النور:27) .
8- أمر بغض البصر للرجال والنساء: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور:30-31) .
9 - تحريم مس الأجنبية ومصافحتها؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ) (رواه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني) .
10- حرم الخلوة بالأجنبية؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (متفق عليه) ، وفي رواية: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
11- حرم سفر المرأة بغير محرم؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (متفق عليه) .
12 - تحريم خروج المرأة متعطرة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِي زَانِيَةٌ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) ، حتى ولو ذاهبة إلى المسجد: (إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلاَ تَمَسَّ طِيبًا) (رواه مسلم) .
13- تحريم الخضوع بالقول: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) (الأحزاب:32) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ) (متفق عليه) .
14- تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء؛ فلما اختلط الرجال بالنساء بعد خروجهم من المسجد قال -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، بل خصص لهن بابًا لا يشاركهن فيه الرجال، بل وصفت الصفوف المتأخرة بأنها شر الصفوف لقربها من النساء، فإذا كان القرب منهن في المسجد شر فكيف بخارجه؟! وإذا كانت كل هذه الاحتياطات في شعيرة الصلاة والتي يكون العبد فيها بين يدي الله، قريبًا من مولاه فكيف بخارج الصلاة من الأسواق والوظائف وغيرها؟!
وإذا كان الشرع قد أمر بالتفريق بين الإخوة في المضاجع فكيف باختلاط الجنسين في المدرجات والحدائق! إلى الله المشتكى!!
هذا كله بالنسبة للقسم الأول وهو الإجراءات الوقائية بمطاردة أسباب الفتنة، وتتبع ذرائع المعصية، وسد منافذها سدًا محكمًا؛ أما الجانب الثاني وهو الإيجابي العلاجي فيتخلص في فتح أبواب التعفف، والحصانة على مصاريعها، وشق الطرق المعبَّدة الموصلة إلى ما أحله الله، وذلك بالترغيب في النكاح، والنهي عن التبتل والرهبانية، ووجوب تعاون المسلمين على تزويج عزابهم من النساء والرجال، والترغيب في تيسير الزواج، ثم أمر من لم يجد النكاح بالاستعفاف: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور:33) .
وماذا بعد؟؟
كيف يكون حال المجتمع المسلم لو طبق هذه التشريعات الربانية؟؟
كيف لو وجدت الاستقامة على هذا المنهج؟؟