الدعاة والتشريعات الاقتصادية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن القوة الاقتصادية للأمة في زماننا الحاضر تعزز من مكانتها بين الأمم، ولقد رأينا أممًا مهزومة شر هزيمة في الحرب العالمية الثانية قد عادت لتتبوأ اليوم مكانة عالية بين الأمم، لما استعادت قوتها الاقتصادية.
إن أي أمة لا غنى لها عن قوة اقتصادية كبيرة تستطيع بها أن تحافظ على كيانها، وتدافع عن وجودها حرة بين الأمم، إن الإعداد العسكري الذي يحفظ لأي أمة حريتها ومكانتها -على سبيل المثال- يحتاج إلى أن يكون وراءه اقتصاد قوي قادر على أن يُعِدَّ هذه الأمةَ الإعداد العسكري المطلوب منها، وتكلفة الإعداد العسكري والإنفاق على الجيوش لخوض حرب دفاعية، أو رد عدوان خارجي، أو خوض حرب وقائية، تكلفة باهظة تتطلب مئات المليارات في بعض الأحيان.
ولا يتسنى الإعداد الجيد لكل ذلك إلا باقتصاد قوي، هذا إلى جانب الإنفاق على المجالات الأخرى من تعليم وصحة ومواصلات ونقل داخلي وخارجي وصناعة وزراعة... الخ.
وكم من أمم لها تطلعاتها وطموحاتها، ولكنها عاجزة عن تحقيقها لضعف اقتصادياتها؟!
ومعلوم أن عدونا الصهيوني إنما أقام دولته على أرض فلسطين المحتلة -وما يزال- على ما يتلقاه من معونات مالية ضخمة من أمريكا وأوروبا، يقدمها له كبار رجال المال اليهودي ومن يدور في فلكهم، وإلا، فالاقتصاد الإسرائيلي لا يقوى على القيام بأعباء دولة في حروب وصراعات مستمرة مع جيرانها، وتعاني من حصار ومقاطعة في منطقتها، وأفراد شعبها تحت السلاح، وشبابها جنود احتياط في الجيش.
ومدار الاقتصاد على زيادة الإيرادات والموارد مع ترشيد النفقات وتقليل المدفوعات، فيتحقق فائض يمكن توظيفه فيما يقوي بنيان الأمة ويدعم كيانها ويعليه.
ولقد رأينا في تاريخنا المعاصر دولاً وشعوبًا في ظل أنظمة عنصرية أو شيوعية يحفز زعماؤها طاقات هذه الشعوب؛ لتنمية قدراتها، وزيادة طاقاتها، فرفعوا من شأنها، كما كان في ألمانيا النازية، أو روسيا البلشفية، أو الصين الشيوعية، ولكنها كانت تحت تأثير شعارات خادعة، وآمال كاذبة، وأوهام مزخرفة، لم يكن ليكتب لها أن تسود وتستمر، وغايتها الحياة الدنيا، والعلو في الأرض والاستعلاء على الشعوب.
ولا شك أن الإسلام يفوق بعقيدته وشريعته كل هذه الأنظمة الفاسدة العلمانية، وأنه قادر أن يحرك -كما حرك من قبل- المسلمين، ويفجر طاقاتهم الكامنة فيهم بما يملكه من عقيدةٍ، مبناها على الإيمان بالله والعمل لليوم الآخر، وما لديه من شريعة تجمع بين المثالية والواقعية، وتبني الإنسان الصالح الذي لا يقتصر على كونه خيِّرًا في ذاته، بل يتعدى خيرُه إلى من حوله، بعطاء لا ينقطع مهما كانت الظروف؛ إذ إنه يوقن أن عمله وعطاءه لن يضيع في الدنيا وفي الآخرة، وكيف ييأس من روح الله ويقطع الرجاء فيه -عز وجل-؟!
لذا فعلى الدعاة إلى الله أن يثيروا في نفوس المسلمين من جديد ما يعطيهم الدفعة القوية لتتبوأ أمتهم الإسلامية مكانتها اللائقة بها بين الأمم، خاصة وأن بلاد المسلمين وفيرة الخيرات، كثيرة الموارد، متسعة الأرجاء عظيمة الأعداد، وتحتاج بحق إلى من يحفز هممها، ويحيي فيها من جديد الرغبة في العمل والبناء، مع تطلع إلى الآخرة وزهد في الدنيا.
وهذا التغيير المرجو في ظل الإسلام يكون بموافقة ما جاءت به الشريعة الإسلامية من مبادئ وتوجيهات وإرشادات، ينبغي على الدعاة نشرُها، وبيانها للناس، وتربيتهم عليها، وهي كفيلة بمشيئة الله -تعالى- بأن تؤتي أكلها، بزيادة موارد الأمة ومكتسباتها، وتقليل نفقاتها وما يهدر من أموالها؛ ومن ثمَّ يتحسّن اقتصادها ويقوى بنيانها.
ومن هذه الأمور التي ينبغي على الدعاة توضيحُها لعموم المسلمين وتربيتـُهم عليها وحثهم على العمل بمقتضاها:
1- نظرة الإسلام للمال:
فالمالُ في الإسلام مالُ الله -تعالى-، استخلف عليه الإنسان ليلبِّيَ به احتياجاته المشروعة، دون إسراف أو تبذير، وعليه استخدامُه في إعمار الأرض، وله تنميته دون إضرار بالآخرين.
فالمال في الإسلام وسيلة لا غاية، والحياة الدنيا في الإسلام معبر إلى الآخرة، أمِرَ الإنسان بالسعي فيها، ولكنه سعي المطمئن؛ إذ مقادير الأمور بيد الله -تعالى- وحده، وهو ينفق ما كسب بسعيه في ما أمر الله -تعالى- به وأحلَّه.
ولهذا فالمعيشة في الإسلام مبنية على القصد وعدم الإسراف، فيأخذ المسلم من الدنيا قدرَ كفايته وينفق فيما ينفعه، قال الله -تعالى-: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف:31) .
والإسلام يربط بين الإيمان وبين زيادة الرزق، وبين البركة في الرزق والاستغفار، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق:2-3) .
وقال الله -تعالى-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) (هود:3) .
وقال الله -تعالى- عن نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12) .
2- تحريم الله -تعالى- للربا:
فالشريعة الإسلامية تحرم الربا وتعده من أكبر الجرائم، وتشنُّ عليه حربًا لا هوادة فيها، وتتوعد المتعاملين به بالعذاب الأليم، وتعلن أن المرابين في حرب مع الله -عز وجل-، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة:278-279) .