الدعاة والتشريعات الاقتصادية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فالربا ظلم؛ يكدِّسُ الثروات في أيدي فئة من البشر على حساب الآخرين وجهدهم؛ لذا فالربا ممحوق البركة، قال -تعالى-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وللأسف فقد فشا الربا في بلاد المسلمين، ووضعت ثروات أغنيائهم في بنوك أوروبا وأمريكا الربوية، وبنى المسلمون في معظم البلدان الإسلامية اقتصادهم على الربا الذي هو أعظم المنكرات التي يجب عليهم تركها ونبذها.
3- الهزائم وحرمان الرزق بسبب الذنوب:
فالذنب قد يجر إلى عقوبة دنيوية وحرمان من الخير، ولقد انهزم المسلمون يوم أحد بمخالفة الرماة لأوامر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فانقلب النصر في أول المعركة إلى هزيمة في آخرها، فلما تساءل البعض: (أَنَّى هَذَا) ؟ كان الجواب: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) .
فالعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه خاصة إذا استوجب بذنوبه غضب الله -تعالى- عليه، ومقته -والعياذ بالله- له.
4- الأمر بالسعي للرزق وبيان ثواب العمل وفضله:
فالعمل والتكسب، وترك البطالة والتواكل مأمور به شرعًا، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) (الملك:15) ، وقال الله -تعالى-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة:10) .
لذا خلق الله الأرض، وقدَّر فيها أقواتها، وأودع فيها معايشَ الخلق، ودعاهم أن يعمروها، وسخر لهم كل ما فيها، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (الأعراف:10) ، وقال الله -تعالى- على لسان صالح -عليه السلام-: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود:61) .
فليس لقادر على الكسب أن يترك فرصة العمل حتى وإن كان العمل شاقـًّا، أو لا يأبه الناس بصاحبه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ) (رواه البخاري) ، فإن كان الفرد مسئولاً عن أسرة وآخرين كان العمل في حقه أوجب، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول، وفي الحديث المرفوع: (لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَىْءٌ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ) (رواه مسلم) ، فمن انتفع بزرعه -أو عمله- غيره كان له بزرعه -وعمله- أجر إن شاء الله -تعالى-.
فالعمل وإن كان وسيلةً للكسب إلا أنه قبل ذلك وبعده باب للأجر والثواب، وحرصُ المرء على العمل مهما كان يقلِّل البطالة بين الأفراد، ويخفف العبءَ على الأمة.
5- فرض الزكاة حق للفقير في مال الغني:
الزكاة أحد أركان الإسلام، يقدمها من زاد كسبه عن النصاب إلى من يحتاج للمال عجزًا أو فاقة، وهي مورد ضخم لعلاج الفقر، والتخفيف من الأعباء على الدولة، يتضمن زكاة المال والزروع والحيوان والتجارة وزكاة الفطر، وهي تدريب لمن أغناه الله من فضله على البذل والعطاء لمن يحتاج لهذا البذل والعطاء.
والزكاة حق للفقير لا تبرع يقدم له، وهي قدر معلوم ليس بمجهول بمقتضى الأخوة الإسلامية بينهما، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج:24-25) ؛ لذا لا تعطى الزكاة لغير المسلمين، وللأسف فهي فريضة منسية عند الكثيرين.
وبدون إيتاء الزكاة يُحْرَمُ المسلمون من النصر والتمكين، قال -تعالى-: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:40-41) ، إلى جانب العقوبات الأخروية، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34-35) .
وللدولة جمع الزكاة وتنظيم توزيعها على مستحقيها، فتضمن بذلك تحصيلها كاملة، وبذلها في مصارفها التي أمر الله -تعالى- به، فتسد أبوابًا عديدة تحتاج الأمة لسدها.
6- النفقة بغير الزكاة:
وهذا باب واسع يفتحه الإسلام لمعالجة حاجات المجتمع، فيجعل على المسلم الغني أبواب للإنفاق واجبة أو مستحبة غير الزكاة، كالإنفاق على الجار، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (إِنَّ خَلِيلِي -صلى الله عليه وسلم- أَوْصَانِي إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) (رواه البخاري ومسلم) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) (متفق عليه) ، وفي الحديث المرفوع: (ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم) (رواه الطبراني، والبيهقي، وصححه الألباني) .
وكالكفارات التي فيها إطعام المساكين، كحنث اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وكالأضحية، وكالقرض الحسن لمن يحتاجه، قال -تعالى-: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) (البقرة:245) ، وعموم الإنفاق والوقف الذي هو من علامات البر والصلاح.