شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعاة والتشريعات الاقتصادية

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ولا شك أن هذه النوعية من ضعفاء الأمة إن قام أفراد الأمة بشئونهم خفف عن الأمة عبئًـا كبيرًا؛ إذ إنها نوعية تحتاج إلى الكفالة التامة، والرعاية الدائمة.

11- الحث على النفقة في الجهاد في سبيل الله -تعالى- وإعانة المجاهدين وتجهيزهم:

قال الله -تعالى-: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41) ، وقال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111) .

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا) (متفق عليه) ، وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث إلى بني لحيان فقال: (بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ -مِنْ هُذَيْلٍ- فَقَالَ: لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا) (رواه مسلم) ، وفي رواية: (لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ) ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: (أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ) (رواه مسلم) .

وجَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقِةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ) (رواه مسلم) .

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه أبو داود بإسنادٍ صححه النووي، وحسنه الألباني) .

وما أحوج الأمة لهذا الإنفاق في سبيل الله -تعالى-!

12- نظرة الإسلام للفقر:

لا يخلو المجتمع من وجود الفقراء، كما أن فيه أغنياء، ولا لَوْمَ على الفقير إن كانت لا قدرة له على التخلص منه؛ لضعف إمكانياته، وقلة مواهبه، وإن أخذ بالأسباب في دفع الفقر عن نفسه فلم يستطع، فليرضَ بما قسمَ اللهُ له، وليصبرْ على ما هو فيه من البلاء، أما من كان قادرًا على أن يُغنِي نفسه ويدفع عنها الفقر فينبغي عليه ذلك؛ لئلا يعيش في همِّ ضيق العيش والحاجة للناس، ويضيِّع من يعول.

فمن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، ومن دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) (رواه مسلم) ، ودعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس: (اللّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ) (رواه البخاري ومسلم) .

وكان في الصحابة أغنياء؛ كعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، كما كان فيهم الفقراء؛ كبلال، وأبي هريرة -رضي الله عنهم-.

والزهدُ لا يعني أن يكون المرء فقيرًا، ولكن الزهد أن تزهد فيما تملك فلا تتعلق به، فالزاهد حقـًّا من ملك الدنيا في يده، ولكن لم يجعلها في قلبه.

فالسعادة تأتي من داخل النفس، لا من زخارف الدنيا، ومن قنع بما قسم الله له كان أغنى الناس؛ لذا يمنع الإسلامُ سؤالَ الناس إلا لمن يستحق المسألة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ) (رواه ابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر) .

والفقر المدقع: أي الفقر الشديد.

والغرم المفظع: أي الدين الثقيل.

والدم الموجع: أي الدية التي تلزم المرء أو يتحملها في حقن الدماء أو إصلاح ذات البين، ولا يقدر على القيام بها بمفرده.

13- القيام بفروض الكفايات:

وهذا بابٌ واسعٌ ينبغي على أفراد المجتمع المسلم كل بحسب قدرته أن يُساهم فيه، إما بالدعم المادي والعمل الحسي، وإما بالنصح والإرشاد والحث لمن يقدر على هذا الدعم، وهذا العمل لمن يعجز عنه، فيعمل الجميع في سد الثغرات بالقيام بفروض الكفايات، ويدخل فيه إقامة الحِرف والزراعات والصناعات، وتحصيل العلوم الحديثة، وتهيئة الكوادر اللازمة في التخصصات المختلفة؛ حتى لا تفتقر الأمة في أي مجال من المجالات في جزئية تكون فيه عالة على غير المسلمين، أو تكون سببًا لتحكم غير المسلمين فيها.

وعلى أصحاب الأموال وكبار المستثمرين استثمار أموالهم في المشاريع الكبيرة الجادة التي تقوم ببعض فروض الكفايات في مجال الإنتاج الثقيل أو المتقدم كالحديد والصلب؛ وإنتاج السيارات، والآلات، والأجهزة الإلكترونية.

وبعد:

فهذا عرض موجز لمفاهيم تفصيلية تتعلق بالجوانب الاقتصادية للأمة، يمكن للدعاة أن يبينوا ما فيها لمن يدعونهم، فيعرضونها بتفصيلات أكثر، وتقسيمات أشمل، أو يجمعوا بين بعض جزئياتها في عرض واحد، ويضيفوا إليها ما يرونه مناسبًا لحالة من يدعونهم، على أن تأتي مدعمة بأدلتها الشرعية العديدة من الكتاب والسنة، وبأقوال علماء الأمة ومفكريها الذين تعرضوا للحديث عن النظام الاقتصادي في الإسلام.

مع بيان مردود هذه المفاهيم إن طبقت تطبيقًا سليمًا جيدًا يتفق مع الشرع، فيعود على الفرد أولاً، وعلى من حوله ثانيًا، وعلى المجتمع ككل ثالثـًا، ثم اقتصاد الأمة بعد ذلك بالخير، وإن هذا المردود يعم خيري الدنيا والآخرة.

- وإلى جانب هذا العرض التفصيلي، فيمكن للدعاة أيضًا أن يعرضوا على المدعوين عرضًا إجماليـًّا للنظام الاقتصادي في الإسلام، وما لَهُ من خصائص ومبادئ تميزه عن غيره من النظم الاقتصادية بصورة سهلة تناسب جماهير المسلمين من غير المتخصصين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية