شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حول فقه النوازل

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالنوازل: جمع نازلة، ويراد بالنوازل: الوقائع والمسائل المستجدة، والحوادث المشهورة، ويقال للنوازل أيضًا: الحوادث، جمع حادثة.

ولا شك أن المجتمع يشهد من وقت لآخر أمور مستجدة، وأحوال لم تعرف من قبل، يحتاج معها الناس إلى من يبين لهم فيها حكم الشرع، ما يحل منها وما يحرم، وكيف يكون التصرف نحوها على ما يحبه الله -تعالى- منهم ويرضاه، وهذا الأمر يتطرق إلى نواحي الحياة المختلفة على تنوعها، كأمور السياسة والاقتصاد، والأحوال الاجتماعية والحروب، والمنازعات والصلح وغير ذلك.

والبت في هذه المسائل المستجدة فوق أنه بيان لحكم الشرع فيها، فإنها ينبني عليها اتباع الناس لها، وعملهم بها، والالتزام بمقتضاها؛ فإن بنيت على خطأ في الحكم على المسألة ترتب عليها مفاسد عديدة لمخالفة وجه الحق الذي شرعه الشرع فيها، وبدرجة قد يصعب أو يتعذر إزالة ما ترتب عليها من نتائج وآثار بعد ذلك، وللأسف فنحن نرى عوام الناس، بل ومن صغار طلاب العلم من يتكلم في مثل هذه المسائل مستهينـًا بما يجب أن يلتزم الناس به تجاهها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ يتكلمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

فليس أمر الناس الذي يتعلق بمعاشهم ويحتاج لأمر الشرع فيه لكل أحد، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) (رواه البخاري) ، فمن علامات الساعة أن يقدم لتسيير أمور الناس، أو بيان حكم الله فيها من ليس لها بأهل.

إن الحاكم في واقعة يحتاج إلى دراية كبيرة بالشرع وأحكامه، حتى يدرج هذه الواقعة تحت ما يوافقها من الأدلة الشرعية، أو يلحقها بما يناسبها من القياسات، وهي مرتبة عالية من الاجتهاد لا تثبت إلا لمن استوفى شروط الاجتهاد عند العلماء وحصَّل أدواتها، وصارت له الملكة الفقهية الفائقة في النظر في الأدلة إن تعارضت واشتبهت على الكثيرين، ومثل هذا العالم المجتهد المتمكن، وإن لم يكن معصومًا؛ لكونه بشرًا، فسقطاته وزلاته تكون قليلة أو نادرة، أما من لم يستجمع أدوات الاجتهاد وشروطه، ويشهد له أهل العلم بذلك، فلا يستأمن على ذلك.

قال ابن القيم -رحمه الله- : "العالم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الصحابة فهو المجتهد في النوازل، فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ". اهـ من إعلام الموقعين لابن القيم:4/212 .

وقال ابن تيمية -رحمه الله- : "وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق -أي دقائق أحكام الجهاد- من وظيفة خواص أهل العلم". منهاج السنة:4/504 .

وقال الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام: "بل إذا عرضت النوازل روجع بها أصولها فوجدت فيها، ولا يجدها من ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه". الاعتصام للشاطبي:1/361 .

والذي يفتي في النوازل عـَلـَمٌ بين العلماء، إذا جدَّ الأمر طلب العلماء جوابه، يقول ابن رشد في شروط من يتصدى للفتوى في النوازل:

- "أن يراه الناس -أي العلماء- أهلاً لذلك.

- أن يرى نفسه قد جمع شروط الاجتهاد.

- فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال مع العدالة والخير والدين صح استفتاؤه فيما ينزل من الأحكام". البيان والتحصيل:17/339 .

ويقول الشاطبي: "والعالِم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم، حتى يشهد فيه غيره، ويعلم من نفسه ما شهد له به، وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك؛ فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره، ولم يفعل! وكان من حقه أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل!". الاعتصام 3/99 .

قال الألباني -رحمه الله- تعليقـًا على ذلك: "هذه نصيحة الإمام الشاطبي إلى العالِم الذي بإمكانه أن يتقدم إلى الناس بشيء من العلم ينصحه بأن لا يتقدم حتى يشهد له العلماء خشية أن يكون من أهل الأهواء". السلسة الصحيحة:2/713 .

وعلى هذا جرى السلف، لا يتقدم عالمهم للفتيا إلا إذا شهد له العلماء بذلك، فعن الإمام مالك -رحمه الله- قال: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك".

وعنه قال: "لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه".

فأحق من يتأنى في أموره من يفتي في نوازل الناس، وأول من يتمنى أن يحمل عنه غيره تبعات الأمور من يقول للناس: هذا حرام، وهذا حلال، في أمور معايشهم ومعاملاتهم، وتتعلق به أموال الناس وأعراضهم، وربما الدماء كذلك.

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة فإنك أن تكون تابعًا في الخير خير من أن تكون رأسًا في الشر".

وعن الحسن البصري -رحمه الله- قال: "إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".

وما أسوأ أن تنقشع الغمة عن الناس؛ ويظهر لهم وجه الحق فيها، فيرون كيف أن من ظنوه بعالم قد غرر بهم عن جهل، وكان عليهم أن يستفتوا من هو أعلم بدين الله منه.

الصفحة التالية