شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حول فقه النوازل

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

يقول ابن تيمية -رحمه الله- : "فإن من الناس من يكون عنده نوع من الدين مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطئ، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبرًا غير مطابق، ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم؛ كما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي في السنن عن بريدة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة) . اهـ من الرد على الأخنائي لابن تيمية ص:9 .

إن الواجب على المسلم إذا نزلت نازلة بالأمة أن يتأنى في التعامل معها، ولا يتقدم برأيه أو هواه، وإنما يتطلع إلى من هو أهل لها، من أهل الاجتهاد، ممن شهد له أهل العلم بأحقيته في النظر في النوازل والبت فيها، فيستفتيه، ويفهم عنه رأيه ووجهته، ويعلم منه ما ينبغي عليه تجاه تلك النازلة.

وفي حديث جبريل -عليه السلام- المشهور عندما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، يقول راوي الحديث يحي بن يـَعْمَر: (كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ... ) (رواه مسلم) .

وفي رواية: أنهم لقوا بعض الصحابة فلم يسألوهم وإنما قصدوا أعلمهم يومئذ، يقول الراوي: "فلما أتينا المدينة لقينا أناسًا من الأنصار فلم نسألهم، قلنا: حتى نلقى ابن عمر -رضي الله عنهما- أو أبا سعيد الخدري... " رواه الطبراني، وابن منده في الإيمان، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد .

وفي الرواية الأولى: (فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ... ثم قال له يحي بن يعمر: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ -وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ- وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ... ) (رواه مسلم) .

وقد أرشد القرآن إلى ذلك، فقد قال -تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا) (النساء:83) .

يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطـًا للمؤمنين وسرورًا لهم، وتحرزًا من أعدائهم فعلوا ذلك.

وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية؛ وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ.

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقـْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟ " اهـ كلام الشيخ السعدي -رحمه الله- .

ومن النوازل ذات الشجون ما وقع في الحرم المكي في الأول من المحرم عام 1400هـ عندما قام "جهيمان" و"محمد بن عبد الله القحطاني" ومن معهما بالاستيلاء على الحرم المكي بالقوة، زاعمين أن القحطاني هو المهدي، وبايعوه بين الركن والمقام، مستندين إلى رؤى منامية تواترت عندهم، مما ترتب عليه إلحادهم في الحرم المكي والاقتتال فيه، وانتهاك حرمة شهر المحرم وسفك دماء المسلمين، وترويع الآمنين وتعطيل العبادات، والشعائر في الحرم.

ولو تأنى هؤلاء وراجعوا أهل العلم لظهر لهم شناعة ما اقترفوه؛ فإن الرؤى مهما كثرت لا يثبت بها أمر شرعي، ولا تجيز مخالفة الشرع بالإلحاد في الحرم، وحمل السلاح وأذية المسلمين وترويعهم، والمهدي تساق له الناس لتبايعه لا يسوق هو الناس ليبايعوه عند الحرم، وماذا على أتباعه لو تريثوا لينظروا أيظهر أمره فيبايعوه أم لا يظهر فيكون صاحبهم غير المهدي المذكور في الأحاديث؟

ولقد همَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بضرب عنق ابن صياد -شبيه الدجال- فنهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: (إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) (رواه مسلم) .

وهذا هو سفيان الثوري يسأله رجل: "يا أبا عبد الله: إن الناس قد أكثروا في المهدي -يعني في زمانه- فما تقول فيه؟ فقال -رحمه الله- : إن مرَّ على بابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه" (1) . رواه أبي نعيم عنه في الحلية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية