الصحوة الإسلامية بين الاتباع وتقدير العلماء وتقديسهم
محمد القاضي • مع الدعاة
إن تعظيم العلماء إلى درجة فرض هالة من القداسة على أشخاصهم وأفعالهم يؤدي إلى وقوع الطائفة المؤمنة في ما يغضب الله -عز جل- من تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق، وذلك بجعل أقوالهم وأفعالهم بمفردها دليلاً شرعيًا، وهذا ما تأباه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة كمثل قوله -تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ... ) (التوبة:31) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الفتاوى جـ7 ص67 وما بعدها: "وقد قال الله -تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وفي حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- ، وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وكان قد قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية؛ قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! قال: فقلت بلى. قال: فتلك عبادتهم، وكذلك قال أبو البختري؛ إما أنهم لم يصلوا لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية، وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لا أنهم صلوا لهم وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله فهذه عبادة للرجال... ".
وقال في نفس السياق: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- شركًا، وان لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- مشركًا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتـًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنما الطاعة في المعروف) ، وقال: ( عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ ) ( متفق عليه ) ، وقال: ( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ) ، وقال: ( مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلاَ تُطِيعُوهُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) .
ثم ذلك المحرِّم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه.
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وان كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره، وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه.
وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة، وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية، وان كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا وان كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وان أخطأ فليتبوأ مقعده من النار".
وقال -رحمه الله- في منهاج السنة جـ 8 صـ 47 وما بعدها:
"وقد علم كل من له علم بأحوال الصحابة والتابعين أنه لم يكن فيهم أحد يلبس سراويل ولا يسقى ملحًا ولا يختص أحد بطريقة تسمى الفتوة، لكن كانوا قد اجتمع بهم التابعون وتعلموا منهم وتأدبوا بهم واستفادوا منهم، وتخرجوا على أيديهم، وصحبوا من صحبوه منهم، وكانوا يستفيدون من جميع الصحابة وأصحاب ابن مسعود -رضي الله عنه- كانوا يأخذون من عمر وعلي وأبي الدرداء وغيرهم -رضي الله عنهم-، وكذلك أصحاب معاذ بن جبل -رضي الله عنه- كانوا يأخذون عن ابن مسعود وغيره، وكذلك أصحاب ابن عباس يأخذون عن ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما وكذلك أصحاب زيد بن ثابت يأخذون عن أبي هريرة وغيره.
وقد انتفع بكل منهم من نفعه الله وكلهم متفقون على دين واحد وطريق واحدة، وسبيل واحدة يعبدون الله ويطيعون الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن بلغهم من الصادقين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قبلوه، ومن فهم من القرآن والسنة ما دل عليه القرآن والسنة استفادوه، ومن دعاهم إلى الخير الذي يحبه الله ورسوله أجابوه.