أهل الباطن وباطن قرار إلغاء الموالد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"المولد" كلمة تحمل في طياتها كل ما يمكن تخيله من صور الهرج والمرج؛ حتى أصبح أوجز تصوير لحالات الفوضى هي أن تصفها بأنها: "مولد"، وربما بالغوا أكثر فقالوا: "مولد وصاحبه غائب"، مع أننا لا نعرف مولد "صاحبه حاضر" فلا تقام الموالد إلا للموتى والمقبورين!
وإذا نظرت إلى واقع الموالد فلن تجد فيها إلا الهرج والمرج، واختلاط مجاذيب "الهوى الصوفي" بمجاذيب كل أنواع "الهوى" حتى صار المولد هو المكان المفضل لبائعاته، وهو المكان الذي كان يلوذ به "المشخصاتية" قبل زمان السينما والمسرح، وما زال هو المكان المفضل للمبتدئين و"ساقطي القيد" في عالم التمثيل والغناء، والسيرك!
وقد دخلت الموالد إلى مصر عن طريق "العبيديين" المسمون زورًا بـ"الفاطميين"، وهم كما وصفهم أبو حامد الغزالي -رحمه الله- : "ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض".
ثم قطع الله دابرهم ومعهم كل بدعهم ومنها بدعة الموالد على يد صلاح الدين -رحمه الله-، وعاودت الظهور بعده على فترات في عصر المماليك ثم أهملها العثمانيون فاندثرت حينـًا من الوقت، ثم عادت بعد ذلك إلى الظهور إلى أن أتت الحملة الفرنسية، والتي سبقتها جهود استشراق ضخمة، درست مواطن القوة والضعف في العالم الإسلامي؛ كان من نتيجتها أن جاءت الحملة الفرنسية فلم تخطئ طريقها إلى الأزهر، ولم تخطئ خطتها في محاولة القضاء على عقيدة الولاء والبراء، وعقيدة لزوم التحاكم إلى شرع الله عن طريق تعيين لجنة من شيوخ الأزهر سميت بالديوان؛ لإدارة القاهرة على أن تتولى باسم "نابليون"، وهي اللجنة التي رفض الانضمام لها عدد من الشيوخ منهم الشيخ: "عمر مكرم" -رحمه الله-، بينما قبل آخرون؛ عاقبتهم الأمة بأن محتهم من ذاكرة التاريخ.
وكان من جملة ما جاءت به الحملة الفرنسية وهي عازمة عليه: إحياء كل ما يمكن أن يقف في طريق الصحوة الإسلامية؛ فأحيوا "النعرة الفرعونية"، وحاولوا ربط المصريين بها، ولكن النعرة الفرعونية كانت في حاجة إلى وقت طويل؛ لكي تصلح منافسًا للولاء للإسلام، فما كان منهم إلا أن أحيوا سنن الفاطميين، وأعادوا الاحتفال بكل المناسبات المبتدعة التي اخترعها الفاطميون.
وكانت الموالد تتعرض لفترات رواج وكمون كما أسلفنا، وكان من نتيجة وصول الحملة الفرنسية أن انكمش الصوفيون فلم يقيموا شيئًا من موالدهم؛ لا المولد النبوي ولا غيره حتى سأل الفرنسيون عن ذلك، وأقاموا المولد النبوي على نفقتهم!!
كما جاء ذلك في عجائب الآثار للجبرتي -رحمه الله- :
"سأل ساري العسكر عن المولد النبوي، ولماذا لم يعملوه كعادتهم؟! فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقف الأحوال؛ فلم يقبل، وقال: لابد من ذلك، وأعطى له ثلاثمائة ريال فرنسي معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم، وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها بطول النهار والليل بالبركة تحت داره؛ وهي عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية، وعدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات مطربة، وعملوا في الليل حراقة نفوط مختلفة، وسواريخ تصعد في الهواء?، وفي ذلك اليوم ألبس الشيخ خليل البكري فروة، وتقلد نقابة الأشراف، ونودي في المدينة بأن كل من كان له دعوى على شريف فليرفعها إلى النقيب" عجائب الآثار جـ2 ص:201-202، دار الجيل - بيروت .
ومن الجدير بالذكر أن نقيب الأشراف قبل مجيء الحملة الفرنسية كان الشيخ عمر مكرم، ولما رفض الانضمام إلى ديوان نابليون عزله عن ذلك المنصب، ونفاه إلى دمياط، وقلد الشيخ البكري مكانه وسط ذلك "المولد"؛ بيد أنه لما رحلت الحملة الفرنسية عن مصر أعاد الناس نقابة الأشراف إلى الشيخ "عمر مكرم?".?
وقد ذكر الجبرتي دوافع الحملة الفرنسية في إحياء الموالد في معرض حديثه عن الاحتفال بمولد أحدهم علي البكري "الذي كان كما بيَّن مجنونـًا يمشي عريانـًا ويهذي بكلام غير مفهوم"؛ قال عن إعادة الاحتفال بمولده: "فلما حضر الفرنساوية إلى مصر تشاغل عنه الناس وأهمل شأنه في جملة المهملات، وترك مع المتروكات فلما فتح أمر الموالد والجمعيات، ورخص الفرنساوية ذلك للناس؛ لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، واتباع الشهوات، والتلاهي وفعل المحرمات، أعيد هذا المولد مع جملة ما أعيد" عجائب الآثار جـ2 ص:306، دار الجيل - بيروت، فبيَّن -رحمه الله- بعبارة موجزة دوافعهم من وراء ذلك? (1) .
ولا تسأل الفرنسيين العقلانيين الذي شطحوا في إعمال العقل حتى نفوا الوحي تمامًا كيف دعموا هذه المولد، والتي كان يعارضها آنذاك كل الدعاة الإسلاميين سلفيهم وعقلانيهم؛ العقلاني يرفضها لمخالفتها للعقل، والسلفي يرفضها لمخالفتها للوحي أولاً وللعقل ثانيًا؟! (2) .
ولكن الحملة الفرنسية ثم من سار على دربها ممن تولى مقاليد الحكم في عهد "محمد علي" مهَّدت التقديم للصوفية على أنها الصورة الرسمية والشعبية للتدين في مصر؛ في ذات الوقت الذي كان أفراخ فرنسا من المفكرين يقيمون معركة بين الدين "الصوفي" -بطبيعة الحال- وبين العلم؛ لتخرج الأجيال المتعلمة تؤمن بما يؤمن به الفرنسيون من التعارض بين الدين والعلم مع أن هذا التعارض وإن كان باديًا لكل ذي عينان في حالة دين النصارى المحرف فإنه وبشهادة منصفي الغرب أنفسهم لا وجود له مطلقـًا في الإسلام.
إذن فقد رحلت الحملة الفرنسية عن مصر تاركة خلفها "العلمانية الفرنسية"، و"القانون الفرنسي" و"الموالد الصوفية"!
وما زالت الأمة تحاول منذ ذلك العصر إزاحة هذا الموروث الثقيل، وبحمد الله قد أزاحت كثيرًا من ذلك حيث تزايدت المطالبات بتطبيق الشريعة ليس في القضاء فقط، بل في كل مناحي الحياة، وانزوت العلمانية؛ فلم يبقَ لها إلا أوكار مشبوهة ينزون فيها بعيدًا عن المجتمع حتى إذا أطل أحدهم برأسه كادت أن تطير من كم اللعنات التي يصبها عليه العامة قبل الخاصة (3) !