شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أهل الباطن وباطن قرار إلغاء الموالد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وها هي الصوفية رغم الملايين التي تذهب إلى الموالد في كل عام تعاني من الانحسار الشديد؛ فإذا استبعدت "الغوازي" ومريديهم، والنشالين ومساعديهم، وبائعي اليانصيب وأصحاب مناضد القمار، ثم أمعنت النظر فيمن بقي فلن تجد إلا أقوامًا بلغ بهم الكبر مبلغه -نسأل الله أن يرزقهم توبة قبل الممات-، حتى إن مراكز بحثية أمريكية حذرت من اندثار الصوفية في غضون سنوات قليلة بعد رصدها لمتوسط أعمار زائري "مولد البدوي" قبل عامين.

وسبحان الله! من بعد هذه الدراسة وأصبح زيارة مولد البدوي من الطقوس المعتادة لـ"لسفير الأمريكي" الذي يُقـَابَل بكل ترحاب من قيادات هذه الموالد، ولكن في هذا العام جاءت الأمور مختلفة؛ حيث تم إلغاء الموالد بـ"قرار رسمي" بداعي من "أنفلونزا الخنازير"؛ فكان هذا هو مولد "إلغاء المولد"، وخاض الناس في القرار، وهل مبرره المعلن هو المبرر الحقيقي أم أن القرار السياسي أصابته "حمى الظاهر والباطن الصوفية"!

ولأول مرة نجد انزعاجًا صوفيًا من أن يكون للكلام باطن غير ظاهره، وهم الذين يصفون النور والهدى المنزل من عند الله بأن له باطنـًا لم تعرفه القرون الفاضلة حتى أتانا مجاذيب الصوفية، وراضعي فلسفات الشرق والغرب فوضعوا للدين تفسيرًا غير الذي كانت خير القرون تعرفه من ظاهر نصوص الكتاب والسنة.

وأنكر فريق آخر من الصوفية على أصحاب القرار في الإذن ببعض الموالد دون البعض غير مقتنعين بالتفسير الرسمي الذي قصر المنع على الموالد الكبيرة، والسماح بالصغيرة متهمين أصحاب القرار "بالانتقائية"؛ مع أن القوم يعولون في كل أمورهم على "الذوق"! فما الذي يمنع أن يكون لصاحب القرار ذوقه الخاص في الموالد التي يرى أنها مهددة بالأنفلونزا، والموالد التي يراها غير مهددة؟!

وبعيدًا عن اكتواء الصوفية بنيران "الباطن" وسياط "الذوق" تفاوتت ردة فعلهم تجاه الحدث، فمنهم من ألمح إلى استخدام العنف، وهو موقف قد يبدو غريبًا على الصوفية إلا أن الأمر لا غرابة فيه؛ فبعد الصوفية عن العنف ليس إلا نتيجة الحماية التي حصلوا عليها من عصر الحملة الفرنسية حتى الآن، ولكن إذا تعرض وجودهم للخطر فمن الممكن أن يجنح بعضهم إلى العنف وإن كان هذا لا يبدو أنه سيكون خطـًا عامًا.

ومنهم من ألمح إلى الخروج في مظاهرات بيد أنه انبرى من نفى ذلك من باب: أن المظاهرات من مسالك الإخوان المسلمين التي لا يمكن للصوفية أن تسلكها!

بيد أن أطرف وأغرب هذه التهديدات: كان التهديد من انسحاب الصوفية من كل الأحزاب السياسية، والطرافة هنا في كلمة "كل" التي لا محل لها من الإعراب، ولا محل لها من التهديد أيضًا!!

وأما وجه الغرابة: فهو في أن كلاً من المهدد والمهدد يرفعون شعار: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، بينما يحمل التهديد في طياته أن الصوفية كتلة تصويتية لها ثقل بالغ، وأن هذه الكتلة يحدد لها "الأحزاب" التي تنتمي إليها، وتستخرج "كارنيهات عضوية" فيها، ثم تصوت لها في الانتخابات.

وأما أخطر هذه التصريحات من الناحية العقدية فهي ما ادعاه بعضهم من أنه لا خوف على الصوفية من انفلونز الخنازير؛ لأن أهل البيت يحمونهم، وهو فرع على الانحرافات العقدية الخطيرة عند الصوفية الذين ينسبون للمخلوقين جلب النفع ودفع الضر، ومن ثمَّ يدعونهم ويصرفون إليهم سائر أنواع العبادة، وقد رد القرآن على هذه الاعتقادات الباطلة فقال: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) (يونس:107) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وقد بلغت الجرأة بهؤلاء أنهم إن سألوا الله لم يكونوا على ثقة بالإجابة، وإذا سألوا الموتى والمقبورين بلغت بهم الثقة إلى إهمال الأخذ بالأسباب مع أن الواجب أن يسأل العبد ربه وهو موقن بالإجابة بيد أنها لا يلزم أن تحدث؛ لاحتمال وجود موانع، وإذا حدثت فلا يلزم أن تكون بعين ما سأل، بل ربما سأل رد بلاء فأتاه ورزق معه الصبر فكان الأرفع لدرجته أو نحو ذلك، وعلى أية حال فسؤال الله والتوكل عليه لا ينافي الأخذ بالأسباب.

وخرج آخر فرفع الحرج عن الجميع إذ أعلن أن منع المولد يدل أن أهل البيت غاضبون للتقصير في حقهم؛ فنتج عن غضبهم منع المولد، وهذا القول كسابقه في نسبة الخلق والتأثير إلى الأولياء حيث زعم أنهم حركوا قلوب المسئولين تجاه المنع، وهو أمر لم يكونوا يملكونه في حياتهم فكيف بعد وفاتهم؟! قال -تعالى- مخاطبًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- في شأن عمه أبي طالب: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (القصص:56) ، وفي المقابل قال له لما دعا على بعض المشركين: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (آل عمران:128) .

ونحن من باب المجاراة نسأل هؤلاء الصوفية -إذا كان الأمر كما يقولون-:

لماذا لا يسألون أهل البيت -"وأهل البيت منهم براء"- أو غيرهم من المقبورين أن يدفعوا عن الأمة الإسلامية كلها هذا الوباء حتى نستريح؟!

ولماذا لم يسلط الصوفية كرامات أوليائهم على "جيوش الأمريكان"؛ ليرحلوا عن بلاد المسلمين بدلاً من استقبالهم في موالد الصوفية؟!

ثم إن من الصوفية من استدر عطف المسئولين على الباعة الجائلين في الموالد الذين سوف يفقدون مصدر رزقهم، ولا ندري هل يبكي الباعة أم يبكي صندوق النذور؟! ولكن إذا قبلنا "ظاهر كلامه" فلماذا الخوف على الرزق طالما أنهم يساهمون في موالد الأولياء؟!

ثم لماذا لم يعلم الأولياء بالقرار؟!

ثم لماذا احتاجوا أن يدافع أحد عن موالدهم ولم يدافعوا هم عنها؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية