شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عقوبة القتل بين زجر القصاص ومواساة الدية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعندما يدور الحديث على أية قضية من قضايا الشريعة الإسلامية، ومدى تحقيقها لمصلحة العباد يختلط الحابل بالنابل، وتكثر الأقوال وتضطرب العقول؛ رغم بداهة المسألة فالخائضون في هذه المسألة:

- إما أن يكون مسلمًا يؤمن بالله ربًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا، وبالقرآن هاديًا.

- وإما أن يكون كافرًا بدين الله.

أما الأول: فمقتضى إيمانه الجازم بصدق الرسالة والرسول والكتاب أن يوقن تمام اليقين بحسن الشرع وكماله، ووفائه بكل حاجات الناس؛ لأنه من عند الحكيم الخبير الذي وصفه قائلاً: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3) .

وأما الكافر: فموقفه من قضايا تشريعية دقيقة يفتقر الناظر فيها إلى كثير من المعارف والتجارب الاجتماعية لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن الخطاب إنما يتوجه إليه بداية فيما يتعلق بأمر الإلهية والرسالة؛ ليؤمن بالرب الواحد والإله الواحد؛ وليصدق بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وكل هذا عليه من الآيات البينات، والتي قد يكون منها حسن الشرع وكماله إلا أنه لا يلزم من ذلك تتبع آحاد القضايا التشريعية مع وجود الأدلة الفطرية والعقلية في أبواب الإلهية والرسالة.

ولكن نتيجة لإصرار الكفار على الحيدة عن مناقشة مسائل الاعتقاد التي يشعرون بعورهم الشديد فيها، ابتداءً من الملاحدة الذين يعجزون عن الإجابة عن سؤال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35) ؟!

وانتهاءً باليهود والنصارى الذين يعجزون عن الرد على ما وصفوا الله به من صفات النقص: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) (المائدة:64) ، وما نسبوه إليه من الصاحبة والولد: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) (المؤمنون:91) .

ويزيد الطين بلة دخول أفراخ المستشرقين في الحلبة تحت مسميات مختلفة من "التنوير"، و"العلمانية" و"الليبرالية" وغيرها من المسميات الخلابة، وليجمعوا بين تكذيب القرآن والسنة، وبين الإصرار على ادعاء الإيمان حتى إن بعضهم كـ"نصر أبو زيد" واجهه علماء الأمة بكفره، وواجهه به القضاء وهو مازال مصرًا على الطعن في القرآن في ذات الوقت الذي يزعم فيه أنه مسلم!

وهذا "القمني" يتسول من المجتمع اعترافـًا بإسلامه دون أن يتوب من طعنه الصريح في نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي نبوة عيسى -عليه السلام- واتهام مريم -عليها السلام- بالزنا، ومن عجيب الأمر أن تقف رموز نصرانية خلفه مع كل ذلك، وكأنهم من أجل سب الإسلام يتحملون سب المسيح وأمه -عليهما السلام-، -كفانا الله شر الحقد إذا أعمى القلوب-.

وهذا ما يحدث من كثير من الليبراليين الذين يطعنون على تشريعات الإسلام لا سيما الحدود باعتبارها وحشية، وغير آدمية، ومع هذا الكفر الصريح يصرون على الانتساب إلى الإسلام!!

وكان يكفي في المناظرة مع هؤلاء أن نسألهم: هل يؤمنون بالله ربًا، وبالإسلام دينـًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً؟!

فإن أجابوا: بنعم. قلنا لهم: فقد قال الله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) .

وإن قالوا: لا. قلنا: أولاً ينبغي عليكم أن تعلنوا ذلك للناس، ولا تغشوهم وتخدعوهم، ثم فالسبيل في مناقشتكم هو السبيل في مناقشة غيركم من الكفار فننظر في عقيدتكم في الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- والقرآن، ونصحح لكم ما يحتاج إلى التصحيح من ذلك؛ عسى الله أن يفتح قلوبكم للإسلام.

ولما كان القوم يصرون على أنهم مسلمون علمانيون أي: مسلمون رافضون لشرع الإسلام، وربما طاعنين عليه مستهزئين به.

ومن باب إقامة الحجة ورد الشبهة وحفظ دين الأمة؛ فإننا نضطر في كثير من الأحيان إلى التنزل في مناقشة هؤلاء في قضايا من المفترض أن تكون بديهية بالنسبة للمسلم.

ومن أكثر ما شغب الغرب به على الإسلام، ومن ثمَّ تبعهم عليه أفراخهم الليبراليون "قضية الحدود": التي زعم هؤلاء قسوتها وإخلالها بحقوق الإنسان؛ وذلك لأن كلمة حقوق الإنسان عندهم إذا أطلقت فأول ما ينصرف إليه الذهن "الإنسان الزاني السكير" الذي يريدون حمايته من الحدود الرادعة في دين الله زاعمين أنه حر في جسده!

وهذا سيعود بنا إلى أصل القضية، وهي أنهم طالما لم يسلـِّموا أنهم عبيد لله فلا يمكن أن نتفق على ما وراء ذلك، بيد أن القضية حتى على أصولهم تقتضي عقوبة رادعة؛ لأن شارب الخمر مصدر ضرر بالغ على الآخرين، ولذلك تجدهم يحاولون فرض العقوبة الزاجرة في حالات السكر "البين"، ومع ذلك لا تجدي هذه العقوبات، ومازالت قيادة السيارات تحت تأثير الخمر هي السبب الأول من أسباب الوفاة في أوروبا وأمريكا، وهم لا يدرون أن السكر البين لا يمكن الاحتراز منه إلا بتحريم جميع أنواع السكر.

والقوم يبالغون في الشفقة على السارق، ولا يرثون لحال من سرقهم! وربما ترك غنيهم فقيرًا، ومريضهم بلا دواء، وطفلهم بلا طعام! فالمهم يده المقطوعة؛ التي لا تقطع في دين الله إلا من معتدٍ على أموال الناس شريطة ألا يكون الناس قد ساعدوه على السرقة بالتقصير في حفظ الأموال، وإلا فلو قصر صاحب الشيء المسروق في حفظه لا تقطع يد السارق، وإنما يعزر بعقوبة تعزيرية.

الصفحة التالية