عقوبة القتل بين زجر القصاص ومواساة الدية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم طرد هؤلاء قاعدتهم حتى في حالات القصاص مع أن القاتل هو الذي أزهق روح غيره، ولو تأمل هؤلاء في قوله -تعالى-: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179) ، تلك الآية التي سحرت لب خصوم القرآن أنفسهم فأخجلتهم من الطعن عليها بطعنهم المعهود "القسوة"، فحاولوا نزع فضيلتها بادعاء أن القرآن قد سُبق بما هو أفصح منها، وهو قول العرب: "القتل أنفى للقتل"! مع أن هذه الكلمة لو ذكرت بعيدًا عن الآية لما أمكن فهمهما إلا على ما كانت العرب تفهمها من أن القتل سواء كان عدوانـًا ابتداءً أم إسرافـًا في رد العدوان أنه يحميهم من أن يقتلهم الآخرون.
والعبارة بهذه الصورة عبارة عصبية تهيج بها حماسة القبيلة على العدوان على القبائل الأخرى، بينما العبارة القرآنية تخاطب المجتمع ككل: أن العقاب المخصوص الذي يكون بحق، وهو ما كان قصاصًا "قص فيه المعاقِب أثر الجاني حذو القذة بالقذة" يوفر حياة كريمة للمجتمع ككل، وليست مجرد حمايته من القتل؛ فشملت رد العدوان بمثله في القتل وما دونه دون تعدي، وبيَّنت أن حياة الناس لا تستقيم بغير هذا.
وأمام هذه الروعة في المعنى، والإيجاز في اللفظ لم يملك القوم إلا التعلق بهذه الكلمة التي كانت ملقاة في "مزبلة قيم الجاهلية"، حتى إذا ما قرنت بالآية شفعت لها الآية في حمل كلمة "القتل" الأولى فيها على القصاص؛ لتكسبها شرفـًا لم يكن لها منه نصيب.
فلو تأمل القوم أن "القصاص حياة" ثم جالوا ببصرهم في مشارق الأرض ومغاربها، ووجدوا القتل، والهرج والمرج، الذي يكون عندما يغيب القصاص؛ لأيقنوا بخسارة قضيتيهم.
بيد أن بيت العنكبوت الذي يتمسك به هؤلاء هو زعمهم أن الاحتياط يقتضي عدم معاقبة الجاني بعقوبة يستحيل التراجع فيها إذا ثبتت براءته لاحقـًا منها، وزعموا أن الأدلة قد تبدو مقنعة للقاضي، ثم يتبين فيها عورًا فيما بعد، حتى الاعتراف ذاته لم يقنعوا به، وقالوا: قد يتبين كذبه فيما بعد.
ومع أن هذه حالة نادرة جدًا إلا أن حلها في دين الله يتمثل في الإيمان باليوم الآخر حيث يستوفي في الآخرة كل ما كان في الدنيا، وأما أن تعطل مصالح العباد، وتهدد حياتهم، ويتلاعب بأمنهم من أجل هذه الحجة الواهية فهذا مما لا يصدر إلا من خبل في العقول، وحتى عند من لا يؤمن بالآخرة من هؤلاء فكان ينبغي عليه عقلاً أن يتحمل هذه المفسدة المتوهمة، ولا يفوِّت من أجلها مصالح العباد.
ومما يدل على تناقضهم أنهم كلما عظم الخطب اضطروا لأكل أصنام العجوة التي يصنعون؛ وإلا فحتى الدول التي ألغت عقوبة الإعدام ما زال عندها عقوبة الإعدام باقية في الخيانة العظمى، ولمجرمي الحرب، ولا ننسى طبعًا في هذا المجال المسلمين الذين يـُقتلون قتلاً جماعيًا رجالاً ونساءً وأطفالاً؛ لتقارير استخباراتية كاذبة عن أسلحة دمار شامل وهمية، وليس باعتراف تفصيلي أمام القاضي أو شهادة شهود.
ثم هل العقوبة البديلة التي يقترحونها في القتل وغيره تحل الإشكال؟! إن العقوبة المفضلة عند القوم هي السجن الذي تتناسب فترته في قوانينهم طرديًا مع عظم الجريمة.
فهل السجن يحقق لهم المصلحة ويدرأ ما توهموه من مفسدة؟!
السجن في كل بلاد العالم أصبح هو "جامعة الإجرام" حيث يجتمع فيه المجرمون من كل حدب وصوب يتبادلون فيه الخبرات، ويلقن السابق منهم اللاحق فنون الإجرام وسبله، وكم ممن دخل السجن وليس له إلا سابقة فخرج ليضيف إليها أخوات؟! وكم من انتقل بفضل السجن من هواة الإجرام إلى محترفيه؟!
ثم إن الأنظمة في طريقة إدارتها للسجون نوعان: نوع يبالغ في تدليل المسجونين حتى يصبح السجن أشبه لديهم بالمنتجع السياحي؛ فهؤلاء انتقلوا من تخفيف العقوبة إلى المكافأة على الجرائم؛ مما يزيد المجرم حرصًا عليه واشتهاء له.
ومنها: من يعامل المساجين بطريقة غير آدمية تملأ المسجون حقدًا على المجتمع بأسره؛ فيخرج بعاهة أكبر بكثير من التي دخل بها.
وإذا كانت فترة السجن طويلة فضلاً أن تكون مدى الحياة كما هي العقوبة التي يقترحونها بديلاً عن الإعدام في قضايا القتل العمد؛ فإن الإنسان الذي ما زال يشعر أنه إنسان يفضل الموت على حياة كهذه حتى تلك التي تكون في السجون ذوات الخمس نجوم.
إذن فالقصاص في جرائم الاعتداء على الآخرين هو العقوبة الوحيدة التي تمنع العدوان، وتزجر الجاني في ذات الوقت، وتحفظ له أدميته إذا لم تكن عقوبة جريمته القتل، كما أنها تعطيه فرصة كبيرة للتوبة إذا كانت عقوبته القتل؛ ليستريح من عذاب الآخرة، ومرة أخرى سيكون للإيمان باليوم الأخر من عدمه أثره البالغ في تقييم الأمور.
ثم إن الشرع قد أتى بجانب القصاص بـ"الدية"، وهي عقوبة أصلية في القتل الخطأ، وعقوبة بديلة في القتل العمد عند سقوط القصاص، ومن ذلك أن يسقطه أولياء الدم، ويرضوا بالدية أو بدونها، والأصل في مشروعية الدية في القتل الخطأ قوله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا... ) (النساء:92) .
وتشريع الدية في القتل الخطأ يمثل الجمع بين مصلحتين:
1- تعظيم حرمة الدماء، وتغليظ شأن الاعتداء عليها -ولو خطأ-.
2- العفو المقرر شرعًا عن غير المتعمد.
وقد أتت السنة بإلزام عاقلة الجاني "قبيلته" بالتضامن في دفع الدية معه على سبيل المواساة الواجبة، وذلك صيانة لدم المقتول أن يذهب هدرًا، ولدم الجاني أن يذهب قصاصًا، مع أن جنايته كانت خطأ فكان تحميلها لقبيلته الذين يستفيدون من وجوده عزة ومنعة؛ بالإضافة لما له عليهم من حق القرابة، ولا يتعارض ذلك مع قوله -تعالى-: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164) ؛ لأن تلك المبالغ التي ستغرمها العاقلة تكليف شرعي جعل الله له سببًا، وهو جناية وليهم، كما جعل إعسار القريب سببًا لوجوب نفقته على قريبه، وأما إذا كان القاتل لا عاقلة له فديته على بيت المال على الصحيح.