عقوبة القتل بين زجر القصاص ومواساة الدية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وقد قدمنا حادثة المرأة التي رفض أبنائها العفو عنها في قتلها لأبيهم مع أن عائلتها كانت على استعداد تام لدفع الدية، ومع أنها أمهم! لعلهم شعروا منها بالغدر والخيانة.
كما يتناسى هؤلاء أن إدمان القتل يدخل صاحبه في نطاق الحرابة، وتبقى الدية خيار مطروح لأولياء الدم في حالات القتل الفردية؛ ليأخذوا بخير النظرين، فلا يمكن أن تكون الدية وسيلة لانتشار القتل، بل غالبًا ما يطلب أولياء المقتول دية تمثل أكثر مما يطيقه القاتل فيبقى طوال عمره عبرة لمن تسول له نفسه أن يحل خلافاته عن طريق القتل؛ بينما ينتفع بها أولياء المقتول.
وما ذكرناه عن شبهتهم الأولى نذكره عن الشبهة الثانية وهي: "شبهة التفريق بين الغني والفقير"، والسؤال: ألا يوجد عندهم فرق بين الغني والفقير؟! بل إنهم يعرِّضون الفقير الذي وقع منه القتل الخطأ إلى السجن مع المجرمين لعجزه عن دفع التعويض، ولا يدفعونه عنه من الميزانية العامة!!
ففي قضايا القتل الخطأ عندهم يملك الغني أن يدفع بينما لا يجد الفقير -"وهو في قضية القتل الخطأ غير مجرم"- غير الحبس، ذلك أنهم يرون أن ترك الفعل وإن كان خطأ بلا عقاب قد يؤدي إلى التساهل به، وهو أمر صحيح في ذاته، ولكنهم لم يأخذوا بالهدي الشرعي في جعل الدية على العاقلة.
وفي الشرع في قضايا القتل العمد يملك "الجاني" الغني أمرين قابلين للاقتصاص منهما: "نفسه، وماله"، وقد خير الشرع أولياء الدم بين هذا وذاك مع العلم بأن عقوبة الغني في ماله تكون مؤلمة؛ فإن الغني قلما يقتل إلا من أجل المال (2) ، وأما "الجاني" الفقير فلا يملك إلا نفسه، ولابد من عقوبة فلم يبقى إلا هي.
إن المعترض على هذا الأمر فكأنه يعترض على وجود الفقر والغنى كمبدأ؛ فإن الغني يملك فرصة استثمار ماله وتوظيفه، وهي فرصة لا يملكها الفقير، وكذلك في حالة تعدي كل منهما على الغير فتوجد لدى الغني فرصة عقوبة غير موجودة لدى الفقير، ولكن هذا لا يخرجها عن حد العقوبة، لا سيما وأنها تجمع إلى معنى عقوبة الجاني مواساة المجني عليه.
وأما الظلم فهو ألا يعاقب الجاني إذا كان شريفـًا أو تخفف عنه العقوبة مراعاة لغناه أو شرفه، وأما الدية فهي عدول عن عقوبة إلى أخرى هي أنفع للمجني عليه فهي تحقق العدل والرحمة معًا؛ لذلك قال -تعالى-: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة) ، وجاءت الرحمة هنا نكرة لتدل على أنها رحمة بالمجتمع كله، فهل هؤلاء أرحم بنا من ربنا؟!
بيد أن القضية عند وضعها على محكها الحقيقي سنجد أن الأمر أهون بكثير مما يتصورون؛ لأن حجر الزاوية ليس غنى الجاني من عدمه، ولكن حجر الزاوية في أمرين:
الأول: عدم وجود مانع شرعي من قبول الدية؛ كأن يكون القتل تم بصورة تدخله تحت طائلة الحرابة.
الثاني: رضا أولياء المقتول بالدية.
وفي البلاد التي تطبق الشرع في باب العقوبات لا يكاد يقتص من أحد لعدم قدرته على دفع الدية، وإنما يكون القصاص لرفض أولياء المقتول، وأما إذا وافقوا مع فقر الجاني فغالبًا ما تقوم بذلك جمعيات خيرية لا سيما إذا غلب على ظنهم توبة الجاني وصلاحيته لمواصلة دوره في المجتمع.
فيجب أن يحذر كل من تسول له نفسه الاعتراض على حكم الشرع من مغبة ذلك، وإلا فالاعتراض على أحكام الله هو النفاق الأكبر -والعياذ بالله-؛ قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا) (النساء:60) .
وقد قدمنا لك أن الخائض في هذه القضايا: إن كان مؤمنـًا فينبغي أن يحمله إيمانه على التسليم لشرع الله، وإن كان كافرًا فعليه أن يكف عنا لسانه، ويكف عن الخوض فيما لا يعنيه، وأما حالة المؤمن المعترض على الشرع التي يصر عليها كثير من دعاة الليبرالية؛ فهؤلاء ممن قال الله فيهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:103-104) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الوطن السعودية عدد 20-4-2009 :
http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.asp?issueno=3125&id=98571&groupID=0
(2) ثارت هذه الزوبعة حول القصاص والدية بسبب قضية شهيرة اتهم فيها رجل أعمال بالتحريض على قتل فنانة، وعلى ما ذكر في وقائع القضية أن دافع القتل كان الانتقام من المجني عليها؛ لكونها أخذت أموال الجاني على وعد بالزواج منه ثم فرت.
ودار كلام حول استعداده لدفع الدية، وثار جدل واسع؛ فأنصاره أثاروا الكلام حول إلغاء عقوبة الإعدام، وأنصارها طعنوا على تشريع الدية.
وقد كتبنا هذا المقال؛ لتوضيح الحقائق الشرعية، وليس للخوض في هذه القضية بعينها؛ لأنه ليس من شأننا، ولو في مقدورنا التحقيق في هذه القضية ومعرفة الصادق من الكاذب إلا أننا نود أن نشير إلى أن القدر المتفق عليه بين أطراف هذه القضية يدينهم جميعًا بمخالفة شرع الله، وعدم الالتزام به في جوانب متعددة، وكانت الثمرة الخبيثة هي تلك الحادثة التي يتقاذف جميع الأطراف التهمة بها.
وهذه النقطة تنبهنا إلى أحد أهم ما تتميز به الشريعة وهي أنها من عند الله، وأنها ثابتة لا يملك أحد تغييرها، فعند تطبيقها لا يملك أحد أن يوجه الرأي العام أو مجالس تشريع لتعديل القوانين؛ لتلائم فرد على حساب آخر في قضية جزئية.
"عندما يحكم الشرع يشعر الجميع أن هناك سيد واحد في الكون، وليس أسياد متنازعون بين سلطة، ومال، وجمال"! ولعل هذا بعض ما أومأ إليه قوله -تعالى-: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف:54) ، وقوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) (يوسف:40) .