عقوبة القتل بين زجر القصاص ومواساة الدية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم إن الشرع قد جعل الدية عقوبة بديلة في حالة القتل العمد إذا فضَّل أولياء المقتول ذلك، قال -تعالى-: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة) (البقرة:178) .
وفي هذه الحالة تكون على القاتل دون العاقلة إلا أن يطوعوا بذلك؛ لأن أولياء الدم عندهم البديل الآخر، وهو القصاص.
ومن الجدير بالذكر أن نشير هنا إلى أن قانون العقوبات وإن كان قد نص على عقوبة القصاص وسط مطالب غربية بإلغائه إلا أنه خالف الشريعة في عدة أمور:
الأول: أنه اشترط لتطبيق هذه العقوبة في جرائم القتل العمد شرطـًا آخر ما أنزل الله به من سلطان وهو: "سبق الإصرار والترصد"، وهو شرط لا يمكن إثباته بسهولة مما ترتب عليه أن يكون الحكم في معظم قضايا القتل العمد بالسجن فيكون الجاني في سجنه في حراسة سجانه، فلا يجد أولياء المقتول إلا القتل العشوائي، وهم وإن كانوا في ذلك ظالمين إلا أن الذي منعهم من حقهم الشرعي في القصاص مشارك لهم في الظلم إن لم يكن أظلم.
الثاني: وإذا كان القانون قد جار على حق أولياء الدم لما اشترط شرط: "سبق الإصرار والترصد"؛ فإنه قد عاد وجار على المتهم لما منعه من فرصة وصفها الله بأنها تخفيف، وهي دفع الدية إن رضي بها أولياؤه؛ وذلك لأن القانون قد غلب حق المجتمع "يقابله في الاصطلاح الإسلامي حق الله" على حق أولياء الدم في قضايا القتل العمد.
ومن عجيب تناقضات هذا القانون اعتباره الزنا الذي يحطم المجتمعات لا يكون جريمة إلا في حق المتزوجة، ويكون جريمة في حق الزوج له أن يسقطها، في الوقت الذي يغلب جانب المجتمع في جريمة القتل، والفرق بين الأمرين ظاهر؛ ذلك أن الزنا جريمة فيها شهوة وهوى، والزنا متى استعلن به صاحبه حتى شهد به الشهود فقد صار وباء لابد من اجتثاثه.
وأما القتل فلا يتحول إلى شهوة إلا في حالات شاذة، وهذه تأخذ في الشرع حكمًا مغلظـًا؛ لأنها غالبًا ما تؤول بصاحبها إلى أن ينطبق عليه شروط الحرابة التي تعتبر جريمة في حق المجتمع، وأما في حالة قيام شخص بقتل آخر ولا يكون هذا إلا لخصومة ولجاجة؛ فإن الشرع قد خير المتضرر الأكبر من الجريمة بين أن يقتص، وبين أن يأخذ دية من الممكن أن تزيد على الدية المقررة في حالة القتل الخطأ حسب اتفاق الطرفين.
الثالث: إن القانون في حالة القتل الخطأ لم يعط الدية لأولياء المقتول، ولكن حكم لهم بتعويض مدني غالبًا ما تكون قيمته أقل بكثير من الدية الشرعية مما دعا الكثيرين إلى المناداة بتقرير مبدأ: "الدية الشرعية"، وغني عن الذكر وجوب تطبيق شرع الله كاملاً.
الرابع: إن القانون عندما شرع "التعويض" في قضايا القتل الخطأ استعمل القاعدة القانونية الشهيرة: "الدفع أو الحبس"، وهي كما ترى حل لا يفيد أولياء القتيل، ويضر القاتل قتلاً خطأ في دينه وعرضه؛ لا سيما إذا ضممنا إلى هذا الضيق البالغ الذي يواجه من سبق له السجن من المجتمع ككل.
ومن الجدير بالذكر أيضًا: أن منظمات حقوق الإنسان وجدت في حل الدية في جرائم القتل العمد حلاً لجهودها لإلغاء عقوبة الإعدام كما حدث في "اليمن" الشهر الماضي عندما تدخلت "منظمة العفو الدولية" و"منظمة هيومان رايتس ووتش"، ومؤسسة "علاو للمحاماة"؛ لمنع تنفيذ القصاص في امرأة يمنية قتلت زوجها، وناشدت المسئولين إقناع أبناءها بقبول الدية إلا أن أبناءها تمسكوا بإعدامها -كما تناقلت ذلك وكالات الأنباء- (1) .
ومع أن تشريع الدية لا يسلم من طعنهم وإن لجأوا إليه من باب أنه أهون من الإعدام إلا أنهم لا يرضون إلا باتباع ملتهم بحذافيرها، فهم يريدون إلغاء القصاص والدية جميعًا؛ ليشرع بدلاً منهما السجن في حالة القتل العمد، والتعويض أو السجن في حالة القتل الخطأ.
وقد يتنزل هؤلاء فيقبلون تشريع الدية في حالة القتل العمد على مضض شريطة أن يلغى القصاص نهائيًا، وهذا من الجور على حق أولياء الدم الذي أعطاه الله لهم وإن كان قد رغبهم في العفو، ولم يلزمهم به فسواء كان عفوًا شاملاً أم عفوًا مع قبول الدية فكيف يتسنى لأحد أن ينزع منهم حقـًا جعله الله لهم شفاءً لصدورهم من قتل وليهم واستبداله بخيار آخر به لم يشرعه الله إلا بإذنهم؟!
الذي نخلص به من ذلك: أن خيار الدية في حالة القتل العمد بالنسبة للغرب وأفراخه خيارًا قد لا يكون مقبولاً، ولكنه ليس مرفوضًا بنسبة مائة بالمائة.
وقد تركزت اعتراضاتهم على الدية في النقاط الآتية:
1- زعمهم أن هذا يشجع على انتشار القتل، وعلى حد تعبير أحد رجال القضاء: "نخاف أن نعود إلى عصر: اللي تعرف ديته اقتله واستريح منه".
2- زعمهم أن تشريع الدية يؤدي إلى الفرق بين الغني والفقير في العقوبة، فيسلم الغني من القتل بدفع الدية، ولا يبقى أمام الفقير إلا القصاص.
وللإجابة على شبهتهم الأولى:
نسألهم ابتداءً: وهل سلمت قوانينكم من ذلك؟! أليس السجن "دية" معلومة تدفع، فيأتي من يبيت النية لقتل آخر، ويفتعل مشاجرة مع خصمه؛ لينتفي عنه شرط: "سبق الإصرار والترصد"؛ ليأخذ حكمًا بالسجن يمكن إذا عرف مفاتيح "السجن" أن يكون أشبه بنزهة؟!
ثم ألا تخرج السجون محترفي سجن يُستأجرون للمشاجرات مع المراد قتله دون أدنى صلة بين الطرفين لتنتهي بقتل البريء، والحكم على "الأجير" بالسجن الذي احترفه؟!
أما مسألة الفرق بين الغني والفقير: فلا يكاد يوجد غني يضطر إلى القيام بجرائمه بنفسه، وكم من محترف للقتل بالوكالة لا سيما مع وجود شرط: "سبق الإصرار والترصد" في القتل العمد، ومع ضآلة التعويض الذي يحكم به في قضايا القتل الخطأ.
ثم إن المعترض على تشريع الدية في حالة القتل العمد ينسى أو يتناسى أنه لا يكون إلا عن رضى من أولياء الدم، وهم أدرى بالأحوال التي أدت إلى حادثة القتل، ولو كان السبب خلافـًا على مال أو نحوه فإنهم غالبًا ما لا يرضون بدونه مضاعفـًا مما يبقي جانب العقوبة والزجر باقيًا في حق المتهم، ويبقي له فرصة في الحياة طالما رضي أولياء الدم، وذهب حر قلوبهم بقبولهم للدية.