ابن تيمية وميادين جهاده
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
وبيَّن "ابن تيمية" أن تأويلات هؤلاء من جنس تأويلات القدامى من المتأولين القائلين بخلق القرآن، وأن أهل الكلام لا يزالون مختلفين، واختلافهم من الاختلاف المذموم، وأما السلف فلا يوجد فيهم ذلك؛ ولهذا صرح العديد من أئمة المتكلمين في أواخر حياتهم أنهم لم يخرجوا من دراسة علم الكلام إلا بالقيل والقال، وكثرة الآراء، ومنهم من ترك كل ذلك ورجع إلى دين العامة، قال الجويني: "لقد خضتُ في البحر الخضم، وخليتُ الإسلام ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وهاأنذا أموت على عقيدة أمي!"، وذكر عن الشهرستاني والرازي ما يشبه ذلك، لذا؛ لم يكن غريبًا أن يذكر الواحد من علماء الكلام في المسألة عدة أقوال ليس فيها قول السلف الذي هو الحق في المسألة؛ لأنه لا يعرفه، وإذا ذكرت له النصوص التي تعارض ما ذهب إليه تأولها تأويلاً.
يقول الرازي في أواخر حياته: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق القرآن".
يقول ابن تيمية في "نقض المنطق" ص(47): "ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد، ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل، وربما حكي إنكار النظر عن بعض أئمة السنة، وهذا مما ينكرونه عليهم، فيقال لهم: ليس هذا بحق، فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة، ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والفكر والتدبر وغير ذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ "النظر" و"الاستدلال"، ولفظ "الكلام"، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال".
ويقول ابن تيمية مبينـًا مكانة الدليل الشرعي وأنه لا يُعارَض بدليل عقلي، وذلك في كتابه "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول جـ1 ص116 " : "أن يقال كونه عقليـًّا أو سمعيًّا ليس هو صفة تقتضي مدحًا ولا ذمًا، ولا صحة ولا فسادًا، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لابد معه من العقل، وكذلك كونه عقليًّا ونقليًّا، وأما كونه شرعيًّا فلا يقابل بكونه عقليًّا، وإنما يقابل بكونه بدعيًّا؛ إذ البدعة تقابل الشرعة، وكونه شرعيًّا صفة مدح، وكونه بدعيًّا صفة ذم، وما خالف الشريعة؛ فهو باطل، ثم الشرعي قد يكون سمعيًّا وقد يكون عقليًّا، فإن كون الدليل شرعيًّا يراد به: كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به: كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي: ما أثبته الشرع؛ فإما أن يكون معلومًا بالعقل أيضًا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه؛ فيكون شرعيًّا عقليًّا، وهذا كالأدلة التي نبه الله -تعالى- عليها في كتابه العزيز من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة علي توحيده وصدق رسله وإثبات صفاته، وعلي المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره؛ كان ذلك شرعيًّا سمعيًّا، وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه؛ ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: "العقليات والسمعيات"، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة، وهذا غلط منهم، بل القرآن دل علي الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه كما قال -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (فصلت:53) .
وأما إذا أريد بالشرعي: ما أباحه الشرع وأذِن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات، والشارع يحرم الدليل؛ لكونه كذبًا في نفسه مثل:
أ- أن تكون إحدى مقدماته باطلة، فإنه كذب والله يحرم الكذب، لا سيما الكذب عليه؛ كقوله -تعالى-: ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ) (الأعراف:169) .
ب- ويحرمه لكون المتكلم به بلا علم، كما قال -تعالى-: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (الإسراء:36) ، وقوله -تعالى-: ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) .
ج- ويحرمه لكونه جدالاً في الحق بعد ما تبين، كقوله -تعالى-: ( يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ) (الأنفال:6) ، وقوله -تعالى-: ( وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ) (الكهف:56) ". اهـ نقلاً من "قواعد المنهج السلفي" د/ مصطفى حلمي ط. دار الدعوة الثالثة ص(126-127) .
وما قرره شيخ الإسلام فيما ذكرناه يبين المنهج بوضوح، وهو: "أن الدليل الشرعي لا يجوز معارضته بدليل عقلي، أو أن يقدم الدليل العقلي عليه".
ابن تيمية والصوفية:
نظر شيخ الإسلام ابن تيمية إلى التصوف على أنه نشأ بعد القرون الخيرية الأولى، وظهور سلطان الموالي من غير العرب خاصة الفرس، وبنيت الإرادات والعبادات، والأعمال من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على غير طريق النبوة، وأصبح المثل الأعلى هو الانقطاع عن الدنيا لعبادة الله -تعالى- ومناجاته، وانتهى الأمر بفكرة الحلول عند الحلاج، ووحدة الوجود عند ابن عربي.