شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ابن تيمية وميادين جهاده

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

ومع ذلك نرى ابن تيمية يثني على بعض الصوفية ممن رأى في طريقتهم التقيد بالكتاب والسنة كـ"الجنيد" و"الجيلاني"، وهذا من عدله وإنصافه -رحمه الله-، وتحامل على بعض الصوفية لما رأى منهم من الغلو في الصالحين وصرف العبادة للمقبورين، ووصف البعض منهم بالكفر والإلحاد كابن عربي، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية تبين جهوده الإصلاحية في مواجهة التصوف، فبين رأيه في الولاية والأولياء كما في كتابه: "الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن".

وأوضح رأيه في قضية التوسل كما في كتاب: "الاستغاثة" ورده على السبكي، وبيَّن الزيارة الشرعية والزيارة البدعية للقبور كما في كتابه: "الزيارة"؛ إذ إن ابن تيمية لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع، بل حض عليها، وكتابات ابن تيمية في هذه القضية ونقولاته عن السلف تبين مدى إحاطته بالنصوص الشرعية وأقوال أهل العلم، وإنه لم يخرج عنها، بل التزم بما التزموا به.

وتتجلى عدالة ابن تيمية ودقة نقده في تقييمه لـ"أبي حامد الغزالي" أحد رموز التصوف في عصره، فالغزالي خلط علومه بالفلسفة وعلم الكلام، واختار التصوف طريقـًا ومنهجًا، ولكنه نبه إلي انحرافات الفلاسفة وتصدى لمذهب الباطنية، وانتقد غلاة الصوفية كالحلاج، وأبطل دعوى سقوط التكاليف عند الإباحية من المتصوفة.

يقول د. مصطفى حلمي في قواعد المنهج السلفي: "يرى شيخ الإسلام أن الإمام الغزالي استخدم العبارات الإسلامية النبوية في التعبير عن مقاصد الفلاسفة، وبمنهج تحليلي لمضمون كتبه يؤصل نظرياته وينقدها، فيرجع علم المعاملة والأمر والنهي إلى الصوفية والفقهاء، وعلم المكاشفة تتعدد مصادره، فتارة يسلك طريق الفلاسفة، وتارة المتكلمين الجهمية، وتارة أهل الحديث، وتارة يطعن على هؤلاء، ويذكر أقوالاً مغايرة" ط. دار الدعوة الثالثة- ص(147) .

ويقول في موضع آخر: "وعندما سئل عن "إحياء علوم الدين" فأجاب بأنه تبع كتاب: "قوت القلوب" -"من تأليف أبي طالب المكي الصوفي"- فيما يذكره من أعمال القلوب"، "ولكن أبا طالب صاحب كتاب: "قوت القلوب" أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد، وأجود تحقيقـًا، وأبعد عن البدعة على أن في "قوت القلوب" أحاديث موضوعة، وضعيفة، وأشياء كثيرة مردودة"، "والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة، فإذا ذكر معارف الصوفية؛ كان بمنزلة من أخذ عدوًا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا: أمرضه الشفاء، -يعني: شفاء ابن سينا في الفلسفة-، وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة"، "لهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه" المصدر السابق: ص(148-149) .

ابن تيمية والشيعة:

أما الشيعة الرافضة فقد تصدى لهم ابن تيمية خاصة غلاتهم، فالباطنية من بني عبيد بن ميمون القداح الغلاة فقد برهن ابن تيمية على كذبهم بما اتفق عليه أهل المعرفة بالأنساب من أن جدهم كان يهوديًّا ربيبًا لمجوسي، وهو وأهل بيته من أئمة الإسماعيلية الملاحدة وصفهم العلماء ومنعهم الغزالي بأن: "ظاهر مذهبهم الرفض والتشيع، وباطنه الكفر المحض"، وقد مكنت معرفة ابن تيمية بالتاريخ أن يكون على دراية بغلاة الشيعة الفاطمية، والإحاطة بأخبارهم وأسرارهم.

أما الشيعة الإمامية من الاثني عشرية فألف في الرد عليهم كتابه: "منهاج السنة النبوية"، وفيه الرد على كتاب "منهاج الكرامة" لابن المطهر الحلي، حيث أوضح فيه موقف أهل السنة والجماعة من قضية الإمامة، وبيَّن فساد مذهب الاثني عشرية في هذه المسألة، حيث أسهب في النقد، خاصة فيما يدعونه من عصمة الأئمة وحصر الأئمة في عدد معين ثابت، وأشار إلى غلوهم في الأئمة وتعظيمهم للمشاهد والأضرحة مع تعطيلهم للمساجد، كما أشار إلى اتباع متأخري الاثني عشرية للمعتزلة في العقليات، وأودع ابن تيمية معالم النظرية السياسية في الإسلام في كتابه: "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"؛ استكمالاً لقضية الإمامة كعقد مبايعة بين الإمام وأهل الحل والعقد في الأمة.

ابن تيمية والتعصب المذهبي:

وكما انتقد ابن تيمية المتكلمين من الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة؛ انتقد -كذلك- المقلدين من الفقهاء أتباع المذاهب، الذين يخالفون ما صح من كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ تقليدًا لأئمتهم.

لقد بلغ ابن تيمية أهلية النظر في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بما حصَّله من أدوات الاجتهاد، وبما استوعبه من المذاهب والآراء، لذا؛ نراه يخالف المذاهب الأربعة أحيانـًا، وبيَّن دليله على ما قدم من الآراء، ولام ابن تيمية أولئك الذين يتبعون الأقوال من غير معرفة أدلتها ووجه الحق فيها.

وحكى عن أئمة المذاهب الأربعة أنهم نهوا عن اتباع آراءهم إن كانت مخالفة لنصوص الكتاب والسنة، وبيَّن -رحمه الله- أن من وقع منه ما يخالف الكتاب أو السنة الصحيحة من الأئمة فله أعذار عديدة قوية ترفع الملام عنه، وأن الواجب تقديرهم وتوقيرهم، والإقرار بفضلهم دون التعصب لأقوالهم، وله في ذلك رسالة باسم: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، فابن تيمية في الفقه كما في الاعتقاد يدور مع النص الشرعي حيث دار، يفتي بما يقتضيه، ولا يأخذ بما يخالفه، لذا؛ يقول في "الفتاوى": "إن أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم ليست حجة لازمة، ولا إجماعًا باتفاق المسلمين، بل قد ثبت أنهم نهوا الناس عن تقليدهم؛ إذا رأوا قولاً في الكتاب والسنة أقوى مما قالوا به، بل إنهم أمروا أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة" "مجموع الفتاوى ج20/10 " .

الصفحة السابقة الصفحة التالية