الأمريكي إذ يأمره دينه بقتل ابنته
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نشر موقع " BBC " خبرًا عن محاكمة أب أمريكي امتنع عن علاج ابنته المصابة بالسكر حتى فارقت الحياة، وعلل هذا بأنه اعتقد أن التوجه إلى الرب بالصلاة كافٍ في علاج ابنته.
ومضى حتى كتابة هذه السطور أيام، ولا أظن أن الأمر سيتغير، ولو مرت أعوام من السكوت التام من "المفكرين"، و"المحللين"، و"الإصلاحيين"، و"التنويريين"... وهذه الطوابير الطويلة التي تتصيد كل خطإ فردي من أي مسلم؛ لتقيم حفلات الندب والنياحة على العقل المسلم المغيب في "الميتافيزيقيا"، والمجتمع المسلم الغارق في الخرافة إلى آخر هذه الطنطنات التي اعتدنا سماعها من هؤلاء القوم.
وابتداءً بـ"بندكت" والذي استهل فترته وبلا مناسبة بخطاب عاب فيه على الإسلام عقيدة الجبر، وما ينتج عنها من السلوك التواكلي، انتهاءً بأذناب العلمانية في بلاد المسلمين، والذين يكررون نفس كلام "البابا" مع تغيير كلمة "الإسلام" بكلمة "الإسلاميين"، والتي لا يختلف معناها عندهم عن كلمة "الإسلام" كثيرًا.
فالقوم يعتبرون كل خطإ من مسلم هو خطأ للإسلام ذاته، حتى ولو صادم ذلك نصوص الإسلام الصريحة، وفي ذات الوقت يعتبرون كل خطإ عندهم خطأ فرديًا؛ حتى لو كان يمثل في واقع الأمر الفهم الذي ينبغي أن يكون لمناهجهم سواء الدينية أو السياسية.
فعلى الصعيد السياسي: يمثل غزو العراق مثالاً فجًا لذلك؛ حيث اشتركت فيه دول الغرب جميعًا بقيادة أمريكا، ثم لما أرادوا التنصل من مسئوليته حملوه لأمريكا التي حملته بدورها لـ"جورج بوش الابن" وحده، وكأنه طوال حكمِ ثماني سنوات كانت دوائر صنع القرار الأمريكية كلها في غيبوبة!!
وأما على الصعيد الديني: فالحروب الصليبية التي أتت باسم الصليب، وبتحريك مباشر من الكنيسة لا يسأل عنها دينهم! وما ارتكب في كل حروبهم من جرائم لا يسأل عنها دينهم على الرغم من نصوص قتل الأطفال والصبيان التي تملأ العهد القديم من كتابهم "المقدس"!!
وبصدد هذا الخبر نود أن نؤكد أن هذا الرجل فهم دينه فهمًا صحيحًا؛ ولكن الآفة ليست في الفهم، ولكن في المفهوم، لقد رمى "بندكت" الإسلام بفرية الجبر والتواكل، محاولاً في ذات الوقت أن ينسل منها، ولكن أنى له أن ينسل وكتابه "المقدس" شاهد عليه؟! وفوق هذا أنه يُبتلى حينـًا بعد آخر بمن يقرءون هذا الكتاب، ويعملون بما فيه كحال صاحب هذه القصة.
إن كتابهم المقدس بعهديه مؤسِس لعقدية الجبر والتواكل لا سيما في باب التداوي!
ولنبدأ بالعهد القديم وبمنهجه في قضايا الأخذ بالأسباب بصفة عامة، وهو أمر لا يكلف الباحث فيه كبير عناء؛ حيث يمثل العهد القديم ملحمة لشعب مضطهد دائمًا، مستسلم دائمًا، منتظر دومًا لمخلص خارق يخلصهم ليلقبوه بـ"مسيح الرب"! حتى ولو كان "قورش المجوسي"، حتى راجت بعض قصص التوراة في سوق "سينما الأكشن" كما في قصة "شمشون ودليلة" وهي قصة تحتل من الإصحاح الثالث عشر إلى السادس عشر من سفر القضاة!
وملخصها: "أن ملاك الرب قد بشَّر امرأة عاقرًا بأنها سيولد لها غلام مبارك يكون خلاص بني إسرائيل على يديه، بشرط ألا يمس الموسى شعر رأسه -إذن الخلاص قدري ومعلق على أمر لا هو من أسباب قوة الإيمان، ولا من أسباب القوة المادية، ولعل هذا يذكرنا بالطرفة التي تحكي أن شارحي كتابهم يضطرون كثيرًا إلى استعمال عبارة: "هذه حكمة الرب يا أحباب"-، المهم أن هذا المخلـِّص قد ولد ولم يمس الموسى شعر رأسه، ولكنه لحكمة لا نعلمها كان مولعًا بالفلسطينيات من بين زواج وهو محرم عليه في شريعته، وبين زنا صريح، وفي كل مرة ينتهي الأمر بمعركة بينه وبين الفلسطينيين ينتصر فيها وحده!
فمن ذلك: أن صهره الفلسطيني أخذ زوجته وأعطاها لصاحبه عارضًا عليه أختها بدلاً منها فانتقم منه انتقامًا عجيبًا بأن أخذ ثلاثمائة ابن آوى -ثعلب-، وربط كل اثنين منهما ذَنـَبًا إلى ذنـَب، ووضع بين الذيلين مشعلاً، ثم أرسلهما على حقول الفلسطينيين حتى احترقت -المجال لا يتسع الآن لفتح ملفات حقوق المرأة وحقوق الحيوان والبيئة-.
وفي ليلة بات فيها شمشون عند عاهرة فلسطينية وانتظره الفلسطينيون خارج دارها، ولكنه اضطجع إلى نصف الليل، ثم خرج متحديًا قالعًا باب المدينة، وهو عائد أدراجه إلى جبل حبرون.
ثم وقع في حب "دليلة الفلسطينية"، والتي كانت تسأله عن سبب قوته فيكذب عليها مدعيًا تارة أنه متى ربط بسبعة حبال لم يتمكن من فكها، فتربطه وهو نائم ثم تنادي عليه كاذبة: "إن الفلسطينيين بالخارج"... فيقوم فيفك الحبال ويخرج ولا يجد أحدًا!
ولحكمة لا نعلمها لا يغضب هو من ذلك في حين تغضب هي؛ لأنه خدعها وأوهمها أنه لا يستطيع فك سبعة حبال، وها هو قد فعل فيضطر إلى أن يكذب كذبة أخرى فتكتشف كذبه بنفس الحيلة، وتغضب هي! بينما يضطر هو إلى كذبه أخرى حتى ضاق منها ذرعًا وتاقت نفسه إلى الموت -وكأنه مكتوب على كل مخـَلصي بني إسرائيل أن يموتوا بأيدي الأعداء-؛ فأخبرها بأن قوته في أنه نذير الرب طالما لم يمس الموسى شعره.
ولحكمة لا نعلمها أيضًا استشعرت دليلة منه الصدق في هذه المرة، وحلقت له شعره وهو نائم، وأتت بالفلسطينيين بالفعل هذه المرة؛ ليأخذوه بعد ما ذهبت قوته، ولحكمة لا نعلمها أيضًا استجاب الرب لطلبه استرداد قوته لمرة واحدة، وهو في مجلس المحاكمة الفلسطيني فأعاد له قوته فهدم البناء على كل من فيه بما في ذلك نفسه؛ لتنتهي بذلك قصة مخـَلص من مخلصي بني إسرائيل الذين خلص عليهم رغم بُشرى ملاك الرب المزعومة في أول القصة!
والقصة لا تحتاج إلى تعليق حول تغلغل الفكر الجبري التواكلي سلبًا وإيجابًا على روح مؤلف هذه القصة؛ لا سيما مع الجزم بأنها مؤلفة وليست وحيًا ولا واقعًا بدليل تخلف البشارة المزعومة فيها.
وأما فيما يتعلق بأمر التداوي خاصة: فبالرغم من أن التوراة الحالية بقيت فيها بعض الأحكام من توراة موسى -عليه السلام- إلا أنها خلت تمامًا من أي حكم للتداوي؛ بيد أنها بيَّنت وبطرق تفصيلية علاج البرص، وبعد إلزام الأبرص بمعاينة الكاهن عدة مرات؛ لتحديد نوع إصابته إذا كانت برصًا أم لا؟