شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأمريكي إذ يأمره دينه بقتل ابنته

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

"وَدَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَأَعْطَاهُمْ قُوَّةً وَسُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ وَشِفَاءِ أَمْرَاضٍ، وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا الْمَرْضَى. وَقَالَ لَهُمْ: "لاَ تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لاَ عَصًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ فِضَّةً، وَلاَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ. وَأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا، وَمِنْ هُنَاكَ اخْرُجُوا. وَكُلُّ مَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا الْغُبَارَ أَيْضًا عَنْ أَرْجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ". فَلَمَّا خَرَجُوا كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ يُبَشِّرُونَ وَيَشْفُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ".

إذن ففعل الرجل الأمريكي نابع من صميم كتابهم وإن كان قد انفرد بذلك التصرف وسط قوم غارقين في الأخذ بالأسباب المادية حتى آذانهم، فذلك لأنه لم يستوعب أن القوم لم يعودوا يأخذون من دينهم بعد إذ أقعدهم عن كل نافع في الدنيا طوال العصور الوسطى؛ إلا ركونهم بأنه قد جاء لهم مخلص من عذاب الآخرة، وأنهم متى انتموا إليه أمِنوا عذاب الآخرة، وهم مع ذلك لا يتدبرون في تفاصيل ذلك الدين، وبحسبهم أن يعطيهم هذا الدين ذلك الأمان من عذاب الآخرة -إن وجد-، وأما نعيم الآخرة فبناء على عقيدتهم فيه بأنه معنوي، فهم منصرفون عنه إلى نعيم الدنيا، ومن ثمَّ صار جلّ عملهم للدنيا؛ طلبًا لنعيمها، وهربًا من شقائها.

وأما نصوص كتابهم التي تصادم حقائق الدنيا ومصالحها فمعطلة عن العمل، ولو كنا ما زلنا في العصور الوسطى لحذفت نهائيًا من كتابهم، ولكن أنى لهم ذلك والمطابع وما تلاها من صور التوثيق أوقفت تيار التعديل المكتوب مع بقائه متدفقـًا كما كان، بل أكثر في إطار الفهم والعمل!

وما دمنا قد عرضنا في إيجاز إلى أن الجبر والتواكل هو داء "كتابهم المقدس"، فلابد أن نشير إلى أن نفي القدر، والغرور بالأسباب هو داء علمانيتهم، وأننا نرفض الأمرين على حد سواء، وأن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قد لخص لنا الأمر عندما سُئل عن جدوى العمل مع القدر فقال: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ) ( متفق عليه ) ، هذا بصفة عامة.

وأما في التداوي خاصة فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً، إِلاَّ وَقَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، بل أمر بأسباب الوقاية كما في قوله: (فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وأمر بما يسمونه الآن: "الحجـْر الصحي"، كما في حديث الطاعون.

ومع هذا فما زال الغربيون وأذنابهم ينكرون على المسلمين أشياء من ذلك عمومًا، وفي باب التداوي خصوصًا، فهم لا يريدون من المريض أن يدعو الله، ويعتبرون دعاء الله نوعًا من الطعن في الأخذ بالأسباب! مع أن المسلم يدعو ربه ويأخذ بالأسباب، يدعو ربه لأنه مالك الأسباب، ويأخذ بها؛ لأن الله أمره بذلك، ومع هذا يعلم أنه لا يأتيه إلا ما قدر له، ويُسلـِّم لهذا القدر طالما قد أخذ بالأسباب باحثـًا عن الأسباب الأعلى التي يمكن أن يكون الله قد ابتلاه بسببها كما في قوله -تعالى-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (الروم:41) ، أو يحتسب أن يكون قد ادخر له من أجلها الثواب في الآخرة.

وفي معنى الدعاء: "الرقية"، و"الاستشفاء بماء زمزم"، وهذه الأمور قد جعلها الله من أسباب إجابة الدعاء، وبالتالي فهي لا تعتبر بديلاً عن الأسباب الظاهرة كما يتظاهر البعض بأن هذا هو الذي يفهمه من هذه الأمور؛ فيعلق عليها بأنه لو كان الأمر كذلك لكان الواجب إغلاق كليات الطب (1) !

كما يشغب بعضهم على أحاديث نبوية أرشدت إلى طرق ظاهرة للعلاج: كـ"الحجامة - والكي"، أو إلى أنواع من الأدوية كـ"عسل النحل - وحبة البركة".

وفات هؤلاء أن هذه النصوص النبوية في بيان طرق علاج ترد على فريتهم الأولى بأن الإسلام يُعلـِّم التواكل، ولكن لم يفتهم التهكم المعتاد بأن هذه النصوص يلزم منها إغلاق كليات الطب!

ورغم أن أقوامًا من الكفار قد قطعوا أشواطـًا كبيرة من الاستفادة من تلك التوجيهات النبوية إلا أن زاعمي التنوير ما زالوا يرددون: "سوف تـَفضحون الإسلام أمام الغرب"! مع أننا لم ولن نسمع عن تعليقاتهم على هذا الهوس الديني الحقيقي عند الغرب!

واشتد نكير القوم على حديث: (إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلاَّ مِنَ السَّامِ) ( متفق عليه ) ؛ لأنه في زعمهم يقتضي أكثر من غيره الإغلاق التام لكليات الطب مع أن المسلمين لم يُؤثـَر عنهم عبر تاريخهم مع إيمانهم بهذا الحديث، وبغيره من نصوص الوحي انصرافهم عن أسباب التداوي الأخرى حتى فاقوا فيها العالم أجمع؛ ذلك لأنهم يضعون هذا الحديث في إطاره، ويفهمون دلالته من أن الحبة السوداء تساهم في علاج جميع الأمراض، ولا يعني ذلك أن يتوصل الإنسان إلى الطريقة المثالية لاستخدامها مع كل مرض كما لا يلزم أن تكون هي العلاج الأنفع لكل مرض.

ومنهم من يعلل ذلك: بأنها ترفع كفاءة جهاز المناعة، وبالتالي تكون شفاء لكل داء بصورة غير مباشرة، ومثل ذلك يقال في عسل النحل، وقريب من ذلك يقال في الحجامة التي لها دورها في تنشيط الجهاز العصبي، وهي في ذلك تشترك مع الإبر الصينية، والتي تلقى من القوم كل ترحيب كما أنها تزيد عليها بتنشيط الدورة الدموية لا سيما في الأطراف والمفاصل المعرضة لوجود احتقان فيها.

وبعد...

فإذا كان القوم قد مرروا هذه الحادثة من حوادث الهوس الديني كما مرروا غيرها فهل نطمع منهم أن يكفوا عن التعميم في قضايا الانحراف في فهم الدين، والتي يحدث بعضها في بلاد المسلمين؟! أم أن العلمانيين في بلادنا: "يتمنون لنا الغلط" بينما "يبلعون من أسيادهم الزلط"؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفحة السابقة الصفحة التالية