من حقوق القرآن
أحمد الشحات • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن إحدى بركات هذا الشهر الكريم -شهر رمضان- ما يُلقيه الله -عز وجل- في قلوب العباد من انفتاح على القرآن، فيقبل الرجال والنساء -حتى العصاة منهم- ومن لم يبلغ الحلم بعد على القرآن، يقلِّبون صفحاته، وينظرون في آياته، بالإضافة إلى توافر الرغبة في ختمه وإنهائه، ليس مرة واحدة، بل ربما مرات ومرات، وفي سبيل ذلك تُستغل الأوقات -الفارغ منها والممتلئ- فتجد المصاحف ترتفع في وسائل المواصلات، مُعلنة عن قدوم رمضان، وتجد المذياع يرتل بأصوات القارئين التي طالما اُستبدل بها أصوات الفـُساق، وبين هذا وذاك صلوات وتلاوات تملأ المساجد والخلوات.
ومع اعترافنا أن هذه وجوه من الخير لا تـُنكر؛ إلا أنها مازالت دون الواجب بكثير، وأدنى من "حقوق القرآن" على المسلمين؛ لأنه ما تزال الفجوة بين المسلمين والقرآن كبيرة، فالكثير منهم يعتقدون أن أسمى حقوق القرآن أن يوضع في مقدمة السيارة، أو يُعلق على جدران المنازل، أو على أرفف المكاتب!
بل ارتبط القرآن الكريم في أذهان الكثيرين -للأسف- بالأحزان والمآتم، وأصبحت وظيفة القرآن هي قراءته ترحمًا على الأموات والمقبورين، فالقرآن فينا هو الحاضر الغائب؛ الحاضر بقرائه وحفاظه، وطبعاته وهيئاته، لكنه الغائب بتدبره وفهمه وتحكيمه.
لأجل هذا رأينا استغلال هذه الإشراقة الإيمانية بقدوم رمضان في تبصير المسلمين ببعض حقوق القرآن العظيم:
1- الإيمان بالقرآن:
فيؤمن المسلم بأن القرآن كلام الله حقيقة ألفاظه ومعانيه؛ المنزل على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والمتعبد بتلاوته، وهذا مع أنه أمر بدهي إلا أن غيابه أورث خللاً ظاهرًا في التعامل مع القرآن كما حدث مع بعض أهل البدع الذين قالوا بأن القرآن مخلوق.
(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة:4) ، (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة:285) ، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة:121) .
2- احترام القرآن وتعظيمه:
ومما يعين علي ذلك استشعار أنه كلام الله العظيم، وليس كلام أحد من البشر، ثم استشعار أن الله يناديه، ويخصه بهذا الكلام: (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204) .
وقد قال القاضي عياض -رحمه الله-: "اعلم أنه من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحد حرفـًا منه، أو كذَّب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر بإجماع المسلمين".
ويتنافى مع هذا التعظيم من يضحك ويلهو عند القراءة أو السماع، أو لا يهتم بحفظه فيلقيه بدون عناية، أو يضع فوقه الأشياء، أو يتروَّح به، أو يمد رجليه إليه.
3- العمل بالقرآن:
العمل بالقرآن هو الغاية من تنزيله، وبرهان هذا العمل هو سرعه التطبيق والامتثال لأوامره ونواهيه.
وقد وصف اليهود في القرآن أنهم مغضوب عليهم؛ لأنهم كانوا يعرفون الأحكام ولا يمتثلونها، فمن فعل ذلك من المسلمين فقد شابه اليهود في إحدى خصالهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:5) ، (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام:155) .
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: "حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَؤُونَ مِنْ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- عَشْرَ آيَاتٍ، فَلا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذَا مِنَ الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ"، قَالَ: "فَعَلَّمَنَا الْعَمَلَ وَالْعِلْمَ".
وسئلت عَائِشَةَ -رضي الله عنها- عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) (رواه أحمد ومسلم) .
عن الحسن البصري -رحمه الله- أنه قال: "أُمر الناس أن يعملوا بالقرآن، فاتخذوا تلاوته عملاً".
قال الحسن بن علي: "اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فليست بقراءة".
4- تعلمه وتعليمه:
فأسرع طريقه لتحصيل العلم هي مدارسه القرآن، والعكوف على فهمه وتدبره، وأفضل وسيلة لتحصيل الأجر والثواب هي تعليم القرآن ونشر أحكامه بين الناس؛ (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (رواه البخاري) .
قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "عليكم بالقرآن فتعلموه، وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تـُسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظـًا لمن عقل".
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إذا أردتم العلم فانثروا هذا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين".
قال الحسن بن علي: "إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار".
5- دعوة الناس بالقرآن:
(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) (ق:45) ، (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) (التوبة:6) ، (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (الإسراء:106) ، (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ) (النمل:92) .