أجمل مدينة في العالم، وأسعد رحلة في الحياة
إيهاب الشريف • التزكية
( وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثًا من كل فج عميق، يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له... ) (رواه الطبراني في الكبير والبزار، وقال الألباني: حسن لغيره) .
ولا يقتصر الأمر عند ذلك الفضل فحسب ، بل هناك من المكفرات الكثير والكثير للذنوب والسيئات، وتحمل التبعات؛ فمس الركن اليماني يحط الخطايا حطـًّا، وكذا الحجر الأسود.
وبالطواف وصلاة ركعتين بعده يوهب للعبد ثواب عتق رقبة، وبالسعي بين الصفا والمروة كعتق سبعين رقبة، وبرمي الجمار مع كل جمرة تكفير كبيرة من الموبقات، وله بكل شعرة تسقط حسنة، وتكون له نورًا يوم القيامة.
وقبل ذلك كله فخروجه من بيته يؤم البيت الحرام فمع كل رفع وخفض للبعير كتابة حسنة وحط سيئة -مع اختلاف وسيلة السفر هذه الأيام-، وهو في ذلك كله –أي : الحاج- يصلي في أشرف الأماكن، ويشرب خير ماء على وجه الأرض، ويلمس أو يقبل حجرًا من الجنة، ويقتدي بخير البشر وأكرم الرسل، ويكثر من ذكر الله وطاعته، وتـُضاعف له الحسنات وتحط عنه الخطيئات... فكيف تكون رحلة بهذه الصورة؟ وكيف يكون التوافق النفسي والاطمئنان القلبي؟
أما قلت لكم: إنها أفضل وأسعد رحلة في الحياة... حقـ ًّ ا إنها رحلة المغفرة التي يكرم الله من شاء من عباده عند العودة بمغفرة ما تقدم من ذنبه فيعود كيوم ولدته أمه، ويقال له: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى، فكيف يكون حال عبد بهذه الصورة؟ وكم تكون سعادته وراحته؟ وكم يكون مقدار الشوق للعودة، والحنين للرجوع، وتكرار الحج والعمرة؟!
فإلى كل البشر.. إلى كل الناس.. هل لكم في سعادة أبدية؟!
هل لكم في سكينة وطمأنينة؟!
هل لكم في أفضل مدينة على مستوى العالم وأحلى رحلة في الحياة؟!
إنها دعوة لكل مسلم ؛ كي لا يكون من المحرومين، كما في قوله -تعالى- في الحديث القدسي: ( إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لا يَفِدُ إِلَيَّ إِلا مَحْرُومٌ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .
وهي دعوة كذلك لغير المسلمين؛ لكي يذوقوا طعم السعادة التي لا تكون إلا في الإسلام، وطاعة الملك العلام -سبحانه وتعالى-.
وأختم برائعة من روائع المتأخرين، لكنهم لربهم محبين مشتاقين، ليست من حياة السلف، بل في أيامنا هذه ، وهي قصة لامرأة من دول شرق آسيا ظلت تجمع نفقة الحج طيلة ثلاثين سنة، ثم ارتحلت مستقلة طائرة إلى ميناء جدة الإسلامي، فلما نزلت أرض المطار ؛ خرت لله ساجدة فما رفعوها إلا ميتة!
يا لشوقها لربها.. يا لحنينها.. أكل هذه الفترة تجمع النفقة؟ أكل هذا شوق للمغفرة والرحمة؟ فأين نحن منها؟ وأين قلوبنا من قلبها؟!
نسأل الله أن يرزقنا حنينـًا وشوقـًا لبيته، ولرحمته ولمغفرته، وأن يرزقنا المتابعة بين الحج والعمرة.