نهارك في رمضان... دعاؤك!
عصام حسنين • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن العمل الصالح الذي تنشغل به ليلاً ونهارًا وعند إفطارك، وفي جميع أحوالك: الدعاء؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإنَّ لِكُلِّ مُسْلِم فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الْصَائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ للهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
قال المناوي: "أي: من رمضان كما جاء في رواية أخرى: ( لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ ) ، أي: لكل إنسان من أولئك العتقاء دعوة مستجابة، أي: عند فطره، أو عند الأمر بعتقه، وهذه منقبة عظيمة لرمضان وصوامه، وللدعاء والداعي" انتهى من فتح القدير 2/593 .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
قال المناوي: "إن هذا الحديث ونحوه إنما هو فيمن أعطى الصوم حقه من حفظ اللسان، والجنان، والأركان" انتهى السابق 2/622 .
- ولعل لهذا الفضل والله أعلم جعل الله -تعالى- آية الدعاء: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186) ، بين آيات الصوم؛ ليرشد العباد إليه.
- ولأنه أكرم شيء على الله -تعالى-؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الدُّعَاءِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .
- ولأنه العبادة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- ولأنه أفضل العبادة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
- ولأنه يجتمع فيه من أنواع التعبد ما لا يجتمع في غيره؛ فمن عبادة القلب: حضوره وتوجهه إلى الله -تعالى- الصمد، ورجاؤه وتوكله، ورغبته فيما عند الله، ورهبته من عذابه، وكذلك وانكساره.
- ومن عبادة اللسان: اللهج بالثناء عليه، وتسبيحه وتقديسه، وسؤاله بتضرع ومسكنة.
- ومن عبادة البدن: الانكسار والاستكانة بين يديه، والتبري من الحول والقوة إلا به، إلى آخر ذلك مما يشتمل عليه الدعاء من أنواع العبادة؛ ولهذا قال الله -تعالى-: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) (الفرقان:77) ، أي: لولا عبادتكم الشاملة لنوعيها: دعاء العبادة بجميع أنواعها الظاهرة والباطنة والتروك، ودعاء الطلب والمسألة الذي يملأ القلب بالرغبة فيما عند الله -تعالى-، والانكسار بين يديه -عز وجل-.
- ولأن الله -تعالى- سماه صلاة؛ فقال -عز وجل-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة:103) ، (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) : أي ادع لهم.
- ولأنه طريق إلى الصبر في سبل الله -تعالى-، وصدق اللجأ، وتفويض الأمور إليه، وطريق إلى تلذذ المناجاة، وتقوية اليقين.
- ولأن الله -تعالى- يحب من عبده أن يسأله؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- ولأنه سبب إلى دفع البلاء ورفعه؛ قال الله -تعالى- عن زكريا -عليه السلم-: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم:4) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) .
- ولأنه وظيفة العمر؛ لأنه العبادة، يعيش به العبد مخلصًا لله فيه، مفتقرًا إليه -سبحانه وتعالى- ملتجأ إليه.
- ولأنه سلاح المؤمن وحصن حصين له، من أعطيه اتصل، ومن ضيعه عزل.
هذا نفعه في الحياة، وأما نفعه بعد الممات: فهو من الصلة التي يصل بها المسلم أخاه المسلم، ومن أسباب تقوية الولاء للمؤمنين الصالحين كما قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
- مما سبق يتبين لنا فضل الدعاء للمسلم، وأهمية أن يتوجه به إلى الله -تعالى- متذللاً متضرعًا، وأن يلزمه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلِظُّوا -الزموا وألحوا بذلك- بِيَا ذَا الْجِلاَلِ وَالإِكْرَامِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
- ولكي يستجاب الدعاء فعليه أن يأتي بشروطه، وأن يتأدب بآدابه، وهي مجموعة في قوله -تعالى-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف:55-56) ، سواء بطريق النص أو الإشارة كما قال ابن القيم -رحمه الله-.
ومنها: