كيف تقضي نهارك في رمضان؟ ذكرك
عصام حسنين • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن وظائفك في رمضان أن يلهج لسانك بذكر الله -تعالى- من تسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتهليله، فإنه سبب نيل محبة الله -تعالى-؛ لأن الله -تعالى- جعل لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، ولذلك أمر الله -تعالى- به: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) (الأحزاب:41-42) ، وقال -سبحانه وتعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة:152) .
وذكر الرب -تعالى- للعبد أكبر من ذكره إياه، كما فسر ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء -رضي الله عنهم- بذلك قوله -تعالى-: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) (العنكبوت:45) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) (رواه البخاري) ، والمعية هنا معية خاصة للذاكرين؛ معية قرب، وولاية ومحبة، ونصرة وتوفيق؛ ولأنه نجاة من الشيطان، ومن عذاب الله؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما قاله يحيى -عليه السلام- لبني إسرائيل: (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا عَمِلَ آدَمِىٌّ عَمَلاً قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- ولأنه أفضل الأعمال، وأرفعها وأزكاها، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ غَداً فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ. قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) (رواه مسلم) .
قال ابن القيم -رحمه الله-:
"الأمر بالذكر بالكثرة والشدة، لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله -عز وجل-، كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله -تعالى-... ذكر البيهقي عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من ساعة تمر بابن آدم لا يذكر الله -تعالى- فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة" انتهى من الوابل الصيب ص:37 .
- وهو يورث المراقبة لله -تعالى-، والإنابة إلى الله -تعالى-؛ بحيث يكون -عز وجل- للعبد هو الملاذ والمعاذ، والملجأ والمفزع.
- ويورث القرب من الله -تعالى-، فعلى قدر الذكر يكون القرب.
- ويورث الهيبة والإجلال لله -تعالى-؛ لشدة استيلاء الذكر على القلب، وحضوره مع الله -تعالى-.
- ويورث حياة القلب وقوته، وجلاءه من الغفلة والهوى بالتوبة والاستغفار.
- وسبب عظيم للاشتغال عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل؛ فإن العبد لابد له من الكلام فلا سلامة له من كلام الفحش، والباطل إلا بذكر الله -تعالى-.
- وهو يوجب صلاة الله -عز وجل- وملائكته على الذاكر، ومن صلى الله -تعالى- عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا . هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً) (الأحزاب:41-43) ، والصلاة من الله هي: الثناء على العبد في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة: الدعاء بالمغفرة والرحمة.
- ومن كان لسانه رطبًا من ذكر الله -تعالى-، يدخله الله -تعالى- الجنة وهو يضحك، كما قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله -عز وجل- يدخل أحدهم الجنة هو يضحك". وهذا -إن صحَّ- فله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي.
- والذكر من أكبر العون على الطاعة؛ فإنه يحببها ويسهلها، كما أنه يذهب مخاوف القلب ووساوسه: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28) .
- والذكر يعطي الذاكر قوة كما أرشد -صلى الله عليه وسلم- فاطمة وعليًا -رضي الله عنهما- عندما سألته خادمًا: (أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) (متفق عليه) ، قيل: من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنية عن خادم.
- والذكر غراس الجنة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَقِيتُ إَبْرَاهِيمَ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِىءْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنًّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ ِللهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ) (رواها البزار، وقال الألباني: صحيح لغيره) . لما سمع أحد الصالحين هذا الحديث قال: "كم من نخلات أضعناها".
- ولأن الذكر يورث لذة؛ ولهذا سمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجالس الذكر رياض الجنة، وقال مالك بن دينار: "ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله -عز وجل-".
والذكر نوعان: