عنصرية الرجل الأبيض
ياسر عبد التواب • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ما بعد الحدث:
دعونا نرصد شيئًا -مما يقوم به المسلمون وغيرهم هذه الأيام- من تداعيات الأحداث من بعد الرسوم المسيئة لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- وما تبعه من أحداث عنصرية طالت كثيرًا من المسلمين، لعل آخرها مقتل الأخت مروة رحمها الله تعالى وأخلفها في ذويها وطفلها بكل الخير؛ فقد كشف الأمر على تنوع تلك الوقائع عن مدى عنصرية القوم في تعاملهم مع الإسلام وعدائيتهم له؛ فقاتل مروة كان يظن أنه يدافع عن البشرية -أو عن الغرب وفكره على الأقل- بتعصبه ضد تلك المرأة وإلحاقه الأذى بها وهي ضعيفة عزلاء، متجاوزًا كل حدود المعقول حتى في العداء والخصومة! وقـُل مثل ذلك على الاعتداءات العنصرية والغزو العسكري، وقله أيضًا على التعصب في قضية الرسوم المسيئة وتوابعها.
فهل لذلك من أسباب ودوافع؟
نعم بلا شك... أسباب منا وأسباب منهم.. لكن دعونا ننظر إلى الأمر من جهة مسؤوليتنا عنه قبل أن نلقي باللوم على الآخرين، ونظل نستغرب عداوتهم لنا، بينما لم نقم نحن بالدفاع عن الإسلام ببيان صورته الحقيقية، مكتفين بالكلام لأنفسنا والبكاء على عداوتهم لنا ونيلهم منا.
ثم نستغرب بعد ذلك أن تختزل ثورة النفوس ضد الرسوم المسيئة والأفلام التي ظهر أحدها قريبًا في عبارات استنكار ولوم لهم، وكلمات حب نرددها لأنفسنا مفادها أننا نُجل رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ونحبه، ونلتزم بسنته، أو أن نبكي بحرقة ونتألم على مقتل مروة، وقد قتل -بالمناسبة ولنفس الأسباب- غيرها كثير في جمهوريات منفصلة عن الاتحاد السوفيتي ولم يشعر بهن أحد!!
أقول نحن نبكي ونتألم -وحُق لنا هذا- لكن من غير أن تكون لنا أفعال مؤثرة على كافة الأصعدة تكون كفيلة: إما بالبيان الواضح لمن هو يجهل الإسلام أو صفات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومهمته العظيمة، ورحمته ورفقه الواسعين بلغات القوم، وفي أماكن التأثير فيهم، أو بالسعي السياسي والاقتصادي، وربما العسكري إن استطعنا؛ لضمان عدم تكرار هذا مرة ثانية.
تخيل معي أن المسلمين إلى الآن لم يحصلوا على اعتراف كثير من تلك الدول بالإسلام كدين، وإنما يعامل في كثير منها كثقافة أو كجماعة عرقية وهو ما يحرم المسلمين -سواءً عند الإقامة بتلك البلاد أو عند الاختصام معها- من اعتبار الإسلام دينـًا يجب احترامه، بينما تجد أقلية منظمة كاليهود مثلاً سعت لهذا من قديم وحصلت عليه، ولعل إدانة "البروفيسور جارودي" على مجرد نص تاريخي خاص بالمحرقة يصلح دليلاً على هذا.
هذا التجاهل للإسلام كدين تراه واضحًا حتى في "مؤتمرات حوار الأديان"، وحدثت مهازل دار حولها نزاع في تلك المؤتمرات؛ فقط لإلزام المؤتمرين -الذين جاءوا إلينا في بلادنا- بأننا أصحاب ديانة سماوية! حتى هذه لا يرضونها لنا وفي مؤتمر للتفاهم بين الأديان!!
وأقول: إن مسؤولية نصرة هذا الدين تقع علينا جميعًا؛ حكامًا ومحكومين؛ لأن ما يحدث في الغرب ينعكس علينا بشكل أو بآخر، انعكاسات أغلبها سياسية وفكرية وثقافية عميقة، فبسبب خوفهم من الإسلام يدعمون كل ما من شأنه إلهاء المسلمين سياسيًا: بدعم أنظمة فاسدة؛ وثقافيًا: بتشويه صورته، ودعم كل من يسيء إليه: من كُتـَّاب، ومتسلقين ومشوهي الفكر؛ وكل هذا يعمق الهوة بيننا وبينهم، وهو -بالمناسبة- المناخ الذي يولِّد الإرهاب الذي يدعون محاربتهم له؛ لأنه يشعر من يتبنى ذلك الفكر أنه صاحب قضية عادلة بدليل ما سقناه من ذلك الدعم، بينما يدرك العقلاء أن بالإمكان أن ننفي هذا الجهل فقط بأن يصل للقوم صورة صحيحة واضحة كافية، غير مبتورة، ولا مزيفة، ولا مداهنة عن الإسلام.
بإمكاننا أن نفعل هذا إن قمنا بأمرين:
الأمر الأول: أن ندعم وننشئ مراكز إعلامية وبحثية "على اتساع واختلاف مجالات تلك المراكز" تخاطب القوم بلغاتهم، وترد على شبهاتهم، وتتبع الافتراءات في أماكنها، وتتخذ كافة السبل الإعلامية -كالفضائيات والبرامج والكتابة للمجلات- والفكرية، بل والقضائية -إن احتاج الأمر-؛ للدفاع عن المسلمين.
إن منظمة واحدة هي "كير" في أمريكا تقوم بدور مشابه لبعض ما ذكرت، أضحت قوة لا بأس بها هناك، لكننا نحتاج بإلحاح للمزيد وللتنوع، وفي كافة التجمعات المؤثرة واللغات المختلفة.
الأمر الثاني: أن نهتم بالمسلمين داخل تلك البلاد وندعم جهدهم، ونحل مشكلاتهم؛ فمنهم غالبًا يُستقى جانب كبير من فكرة القوم عن الإسلام، وعما يمثله من قيم؛ فكل منهم هو نموذج يرونه، فلو رأوه مفتونـًا، أو مفسدًا، أو دونيًا؛ لانعكس ذلك على صورة الإسلام لديهم، ولأشعرهم بأنهم لم يطلبوا شططـًا بتنحية الإسلام عن حياتهم وحياة غيرهم ما دام هؤلاء هم أفراخ الإسلام!
ولأضرب مثالاً على ذلك -ثم أعود لأكمل حديثي-: فقد رأيت شبابًا في الغرب من المسلمين لا يجدون عملاً، فيمتهنون أعمالاً حقيرة، ويتجه كثير منهم للسرقة أو الدعارة وغيرها فتتشوه سمعتهم أكثر، ويحجم الناس عن تشغيلهم أكثر، وكنت كتبت قبل ذلك في "الشرق" مقالة أسميتها: "وسرق العربي محفظتي"؛ حيث بالفعل نشلها بحيلة في أحد ميادين أوروبا، ثم لما تكلمت -بسليقتي مع مرافقي بالعربية- أعادها لي معتذرًا، ولكنه قال لي: إنهم لا يريدون تشغيلنا لأننا مسلمين!
ووضعني مباشرة أمام المشكلة: هم لا يجدون عملاً؛ فيسرق بعضهم، أو ينحرف فتجد الجهات المسئولة أمنيًا وفكريًا وسياسيًا نماذجهم مرتعًا لسوء الظن بهم، ومن ثم بعقيدتهم ومجتمعاتهم.
أيها المسلمون:
صورتنا مشوهة حقيرة في الأذهان... فهلا أزلتم ذلك اللبس؟!
هلا قمتم بدعم قضايانا، وهلا فكرنا ولو لمرة في استباق الأحداث بدل البكاء من أفعالهم ضدنا التي ساهمنا بنصيب لا بأس به في صنعها؟!