عنصرية الرجل الأبيض
ياسر عبد التواب • قضايا معاصرة
فالحرب على الإسلام من قبل مؤسسات غربية مستمرة، وإن اتخذت مظهرًا مختلفـًا وأشكالاً متعددة؛ ومن ذلك ما نشرته أسبوعية "شارلي ابدو" الفرنسية الساخرة، فقد نشرت الصحيفة بيانـًا يحمل توقيع 12 كاتبًا -"انظر المفارقة"- بعنوان: "معًا ضد التوتاليتارية -الشمولية- الجديدة" -ويقصدون النزعة الإسلامية-، وهذا بعد عدة أسابيع من نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، والتي نشرتها صحيفة: "يلاندس بوستن الدنمركية".
ومن بين الموقعين على البيان: "ايان هرسي علي" النائبة الهولندية الصومالية الأصل، وكاتبة سيناريو فيلم: "خضوع" للمخرج المقتول "جوخ"، والفيلسوف الفرنسي "برتران هنري ليفي"، و"تسليمة نسرين" الطبيبة والروائية البنغالية، و"سلمان رشدي" صاحب كتاب "الآيات الشيطانية".
والموقعون على البيان، قاسمهم المشترك: أنهم نشروا دراسات وأبحاثـًا تهدف إلى نقد الإسلام والاستهزاء بقيمه، فلا نستغرب مواقفهم العدائية الواضحة، وحقدهم الموتور ضد الإسلام إلى درجة الزعم بأن المعركة مع الإسلام تعتبر امتدادًا لمعركة العالم المتحضر ضد الفاشية والنازية، والستالينية، موضحين أن الصراع الذي يشهده عالم اليوم ليس "صراع حضارات ولا عداء بين الشرق والغرب، ولكنه صراع عالمي بين الديمقراطيين والدينيين"!!
سبحان الله.. ! يقال هذا عن الإسلام الذي حارب كل ظلم وسعى لكل عدل! لكن مع من نتحدث؟!
وكنتيجة منطقية للرؤية العدائية التي يحملها أصحاب البيان ضد الإسلام والمسلمين، تم التأكيد على أنه "مثل جميع الأنظمة الشمولية، يتغذى الإسلام بالخوف والغضب"! ويراهن دعاة الكراهية على العواطف من أجل إنشاء كتائب بغرض خلق عالم قائم على خنق الحريات وعدم المساواة، ولكننا نعلن صراحة وحزمًا: ما من شيء، وحتى اليأس، يُبرر اختيار الظلامية والشمولية والحقد، والإسلام يعتبر أيديولوجية رجعية أينما حلت تقتل المساواة والحرية، ونجاحها لا يمكن إلا أن يقود إلى عالم مبني على القهر: قهر الرجل للمرأة! وقهر الإسلاميين لغيرهم! ومن أجل منع هذا، علينا أن نؤمّن الحقوق الكونية لكل المقهورين والمضطهدين"!!
يقال هذا الكلام ولا يتتبعه أحد بالنقد والرد، والمتابعة القانونية!
ألا ترى معي أنه سيترك أثرًا ما في أذهان من لا يسمعون إلا تلك النوعية من الكلمات والأفكار؟! ثم بعد ذلك نشتكي من تشوه صورة الإسلام، ومن العداء غير المبرر من قبل ساسة الغرب ومنظروه، لا أبرؤهم تمامًا فهناك لذلك العداء خلفيات أخرى.
والعقود القليلة الماضية كانت مرتعًا لممارسات عنصرية، منها عنصرية الرجل الأبيض، ومنها أكذوبة شعب الله المختار، ولا ننسَ الطبقية الهندية، والنازية، والفاشية، والأرستقراطية وهلم جرا...
أمراض خطيرة ومنتشرة لم يسلم منها إلا مجتمعات المسلمين الذين علَّمهم دينهم بألا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، ومما تجلى بعد حدث نشر الصور المسيئة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما جاء بعده من تداعيات سافرة ربما كان محطة فيها جرأة ذلك العنصري على قتل أختنا مروة -رحمها الله تعالى-، فإنه لا يزال بعض المذكورين يعاني من تلك العنصرية، ومن استكبار الغطرسة التي تنميها مشاعر القوة والتسلط، واستصغار الآخر! بالرغم من قشرة الحضارة التي تصارعها في فكرهم.
وتتجلى تلك العنصرية بصورة واضحة في التعامل مع المسلمين من قبل ساسة الغرب ومثقفيه في تلك المواقف، أي تكبر واستصغار للآخر ذلك الذي تجلى في رفض مجرد الاعتذار أو مقابلة مجموعة من السفراء الرسميين، وما تبع ذلك من استمرار في التعنت؟!
عقدة استعلاء واضحة لم تفلح دعاوى التحضر في إخفائها فأخذت شكلاً يرضيهم حضاريًا، ويبرر الثبات على الإساءة، والاستعلاء العنصري في تعاملهم مع الحدث.
لقد أراحوا أنفسهم بادعاء أن هذا الثبات هو ثبات على المبادئ، بل ودغدغوا عواطفهم بالزعم بأن هذا هو مبدأ احترام حرية التعبير، وصدَّقوا هذا الوهم إلى درجة استقالة الوزيرة السويدية حياءً من تدخلها؛ لحجب موقع إنترنت أعاد نشر تلك الرسوم المسيئة بطريقة تنم عن التشفي الذي كان أولى بالجميع أن ينتهي عنه -ولو احترامًا لمشاعر الآخرين-، وحتى ولو لم يدفعهم إلى ذلك الاقتناع بترك العمل فأين مراعاة الآخرين واحترام مشاعرهم، وتقدير المصالح من المفاسد في هذه المسألة؟!
وأين التحلي بضبط النفس وعدم التهور الذي ما فتئوا يرددونه كلما تبدت عورات تجسس بينهم وبين بعضهم... أم تراهم لا يفعلون هذا إلا مع من يهابونه كاليهود؟!
وذكرني هذا التدافع بين الحضارة والعنصرية في الفكر الغربي بما سبق وأعلنته الدول الغربية في ميثاق تأسيس الأمم المتحدة حيث بعد ما ذكروا غاياتهم صاغوا مبادئ التأسيس فقالوا:
"وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا: أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحسن جوار"!
ومما قالوه في الميثاق: وجوب "الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته، والفرد وقدره".
ولا نستطيع ابتداءً أن نـُفصِل الكلام النظري عن الواقع العملي، فأي تحول ذاك الذي جعل تلك الشعوب الأوروبية تتحدث عن السلام، وتجنب ويلات الحرب والتسامح وحسن الجوار؛ وهم لتوهم ما نفضوا عن كواهلهم غبار حرب خاضوها؛ سالت فيها الدماء أنهارًا "الحرب العالمية الثانية"، والتي توجوها بأجرم حدث بشرى على الإطلاق؛ وهو إبادة مدنيتين من الوجود بالقنابل الذرية؟! اللهم إلا الكلام وهم يحسنونه!!
وأين الحديث عن حسن الجوار؛ بينما الحروب، واستعمار الشعوب، والتحكم في شؤون الدول، وامتصاص خيراتها، والتنافس مع الصين كان ولا يزال قائمًا؟!
وأي حديث عن "الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته والفرد وقدره"، وهم لا يعبئون كثيرًا بما يحدث للبشر في غير دولهم "وانظر مثلاً التجارب الدوائية التي يجرونها على سكان العالم الثالث ودفن النفايات النووية في بلادهم"؛ وحتى في دول الغرب نفسها لا قيمة للفرد المهمش المطحون حين تتعارض مصالحه مع علية القوم؟!