شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريقة القرآن في إثبات النبوات

أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن تأمل حديث القرآن عن النبوة وبيان أصولها ودلائلها، وغير ذلك من أحوالها وخصائصها؛ وجد به ما يثلج صدره، وينوِّر قلبه، ويشفي وساوس وشبهات نفسه، فإن كثيرًا من الناس يجول في قلوبهم أمر النبوة جَوْلاً عظيمًا، وقلوب كثير منهم فيها من الشك والشبهات ما الله به عليم؛ إذ أعرضوا عن دلائل القرآن لأصول النبوة وأصول الدين، وتمسكوا بما أملاه الهوى عليهم مما يظنونه دلائل وبراهين.

فأهم وظيفة للعقل هي: تدبر دلائل أصول الدين من كتاب الله -عز وجل-، وفهم وجه الدلالة فيها، ولما كان المقصود هو الكلام على النبوة خصوصًا؛ فلا يسع المقام أكثر من الإشارة لبعض ما ورد في القرآن لتقرير النبوة وتمييزها، وبيان دلائلها.

قال الله -تعالى-: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق:1-5) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ذكر الله -تعالى- في أول ما أنزل أنه الأكرم، وهو أبلغ من الكريم، وهو المحسن غاية الإحسان، ومن كرمه أنه علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، فعلمه العلوم بقلبه، والتعبير عنها بلسانه، وأن يكتب ذلك بالقلم... فإذا كان قد علمه هذه العلوم؛ فكيف يمتنع عليه أن يعلمه أمره وخبره، وينبئه بذلك؟!

وكيف يمتنع عليه أن يعرف الناس رسله وأنبيائه؟!

وبيان ذلك: أن من رأى العلقة -قطعة من دم- فقيل له: هذه العلقة يصير منها إنسانـًا يعلم كذا وكذا من أنواع العلوم؛ لكان يستبعد ذلك، ويتعجب منه غاية العجب.

ومعلوم أن من نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنسانـًا عالمًا قارئًا كاتبًا؛ كان أقدر على جعله عالمًا بأمره وخبره وينبئه بذلك، وكذلك من كان قادرًا على أن يهدي الإنسان الذي كان علقة بأنواع من الطرق إلى أنواع من العلوم؛ كان أقدر على أن يعرفه برسله وأنبيائه، مع ما في ذلك من الإنعام عليه، والإحسان إليه، والرحمة به مما هو أحوج إليه من كثير من أنواع العلوم.

وإذا كان قد هداهم إلى أن يعلم بعضهم صدق رسول من أرسله إليه بشر مثله بعلامات يأتي بها الرسول وإن لم تتقدم مواطأة وموافقة بين المرسل والمرسل إليه، فكيف لا يقدر هو أن يرسل رسولاً ويجعل معه علامات يُعرِّف بها عباده أنه أرسله؟!

وللناس طرق في الدلالة على النبوة: طريق القدرة، وطريق الرحمة، وطريق الحكمة، وطريق العدل، وغير ذلك من الطرق، وكلها صحيحة تدل على النبوة، فإن الشيء كلما كان الناس إليه أحوج؛ كان الرب به أجود، فلما كانت حاجتهم إلى الهواء أشد؛ جعله الله -تبارك وتعالى- مبذولاً لكل أحد في كل وقت بكل مكان، ثم الماء بعد ذلك، ثم الغذاء.

وكذلك العلوم فكلما كانوا إلى بعض العلم أحوج؛ كان الرب به أجود، فإنه سبحانه- الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يكن يعلم" اهـ من " النبوات" بتصرف .

وقد نبه -رحمه الله- في هذا الكلام على طريق القدرة، وطريق الرحمة، والآيات تدل على النبوة -أيضًا- بطريق الحكمة، فإن من نظر إلى خلق نفسه وما في أعضائه وتركيبها من المنافع والحكم؛ علم أن خالقه رحيمًا حكيمًا -سبحانه وتعالى-.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وفي نفس الإنسان عبرة تامة، فإن من نظر في خلق أعضائه وتركيبها وما في ذلك من المنفعة والحكمة مثل كون الماء ماء العين ملحًا؛ لحفظ شحمة العين من أن تذوب، وماء الأذن مرًا؛ ليمنع الذباب من الولوج، وماء الفم عذبًا؛ ليطيب ما يمضغ من الطعام، وجعل ذلك في الرأس دون القدم، وأمثال ذلك؛ علم علمًا ضروريًّا أن خالق ذلك له من الحكمة والرحمة ما يبهر العقول". اهـ من "شرح الأصفهانية" بتصرف يسير .

ونبَّه الله -تعالى- في كتابه في غير موطن أن نفي النبوة لا يليق بحكمته -عز وجل-، قال الله -تعالى-: ( أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) (القيامة:26) ، أي: هملاً بلا أمر ولا نهي، ولا حساب ولا جزاء، ولا نبوات، وقال: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ) (المؤمنون:115) ، فمن أنكر النبوة فقد اتهم الله -سبحانه- بالسفه والعبث حاشاه -سبحانه-؛ ولهذا قال -تعالى-: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) (الأنعام:91) .

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "هذا تشنيع على من نفى الرسالة، وزعم أن الله ما أنزل على بشر من شيء، فمن قال هذا؛ فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته؛ إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملاً بلا أمر ولا نهي، ونفي لأعظم منة امتن الله بها على عباده؛ وهي الرسالة، التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة، والكرامة، والفلاح، إلا بها، فأي قدح في الله أعظم من هذا؟!".

فبهذا ونحوه من آيات القرآن قرر -سبحانه- النبوة ورد على مشركي العرب وغيرهم ممن أنكر جنسها، ولما قرر -تعالى- في كتابه إمكان النبوة ووقوعها تحت قدرته ولزومها لكماله وعظمته وربوبيته؛ بيَّن -أيضًا- دلائل صدق النبي المعيَّن، ودلائل كذب المتنبئ، قال -تعالى-: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:79-80) ، فأعظم دليل على كذب المتنبئ أن يدعو لعبادة غير الله -تعالى-، كيف يدعو الرسول لغير ما استقر في الفطر والعقول من وحدانية الرب -سبحانه- واستحقاقه للعبادة دون غيره؟! وكيف يدعو لخلاف ما علمه الناس بالضرورة من دين الأنبياء من التوحيد والمعروف وأصول الأحكام؟!

وبالضد فإن أعظم دليل على النبوة: استواء ما يدعو إليه الرسول وصحته وسلامته من التناقض لا سيما استواء عقيدته في المعبود -عز وجل-.

الصفحة التالية