شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

طريقة القرآن في إثبات النبوات

أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "النبوة مشتملة على أشرف العلوم والأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة؟! لا سيما وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون، وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، فلو قدر أن رجلاً جاء في زمن إمكان النبوة، وأمر بالشرك وعبادة الأوثان، وأباح الفواحش والظلم والكذب، وزعم مع ذلك أنه نبي، فهل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو أن يشك في كذبه؟! ولو أتى هذا بما نظن أنه معجزة؛ لعلم أنه من جنس خوارق السحرة، لا من جنس معجزات الأنبياء" اهـ من "شرح الأصفهانية" بتصرف يسير .

وهذا المسلك قد سلكه كثير من الناس؛ لتمييز حال النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة صدقه من كذبه، كما فعل هرقل ملك الروم لما سئل أبا سفيان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان أبو سفيان حينئذٍ مشركًا؛ فقال هرقل: "بماذا يأمركم؟" فقال أبو سفيان: يقول: ( اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ) (رواه البخاري) .

وفي حديث حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- لما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المقوقس -ملك مصر-؛ ليدعوه إلى الإسلام؛ فلما قرأ الملك كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لحاطب: "قد نظرت في هذا؛ فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب".

وفي حديث المغيرة مع المقوقس -وكان المغيرة حينئذٍ مشركًا لم يسلم بعد-، أن الملك سأله: "ألا تخبرني إلى ما يدعو؟".

فقال: "يدعونا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة، ويأمر بصلة الرحم، ووفاء العهد، وتحريم الزنا والخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب".

فقال المقوقس: "هذا نبي مرسل، ولو أصاب القبط والروم؛ اتبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى ابن مريم -عليه السلام-، وهذا الذي تصفون منه بعث به الأنبياء قبله...".

وكان هذا المسلك أكثر ما يسلكه النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته للخلق سواء الوثنيون منهم كمشركي العرب والفرس، أو غيرهم من أهل الكتاب كاليهود والنصارى، وخطبه وحواراته ورسائله لهؤلاء وهؤلاء مشهورة مذكورة في كتب "السنن" وغيرها.

وكان أصحابه ورسله -صلى الله عليه وسلم- يقتدون به في ذلك في دعوته للناس، كحديث جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- للنجاشي ملك الحبشة، قال: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِىُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحاَرِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ..." (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وبالجملة فهذا المسلك النوعي في الاستدلال على النبوة هو من أهم المسالك في كتاب الله -تعالى-، وفي سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسيرة أصحابه -رضي الله عنهم-.

وهناك مسلك آخر أشار إليه القرآن في أكثر من موطن وهو: المسلك الشخصي، يستدل بالصفات الشخصية لمدعي النبوة على صدقه أو كذبه، فمن كان معروفـًا عند الناس معرفة تامة بالصدق والأمانة، والعقل، والعدل، والبر والفضل، وحسن الخلق، ثم أخبر أنه رسول الله؛ فلابد أن يكون صادقـًا، فإنه لم يكن ليكذب على الله ويصدق الناس، بل من يكذب على الله؛ يكذب على الناس من باب أولى وأحرى، وكذلك من كان معروفـًا بالكذب أو سوء الخلق أو بالظلم والفواحش وغير ذلك من صفات السوء إذا قال أنه رسول الله؛ علم أنه متنبئ كذاب، فإن جعل مثل هذا نبيًّا لا يليق بحكمة الله، ورحمته، وعدله، وكماله وعظمته -عز وجل-.

قال الله -تعالى- مخبرًا عن قول نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (يونس:16) ، ينبههم -صلى الله عليه وسلم- إلى صفاته الشخصية التي علموها وخبروها خبرة تامة من صدقه وبره وأمانته، وعفافه وحسن خلقه، وما هو عليه من الرشد والعقل والعدل.

فمن هذا شأنه يكون عنده من طيب النفس وطهرها ما يمنعه من تعمد الكذب، ومن رجاحة العقل والبصيرة ما يمنعه من الخطأ في معرفة الملك والوحي وتمييزه عن الجن والشياطين، فلا يكذب عمدًا كالسحرة والكهان، ولا خطأ كحال المجانين والممسوسين والموسوسين.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الدليل على صدقي وأني لم أتقوله من عندي: أنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله -عز وجل-، لا تنتقدون علي شيئًا تَغمصوني به؛ ولهذا قال: ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟!.

ولهذا لما سأل هرقل -ملك الروم- أبا سفيان ومن معه عن صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟" قال أبو سفيان: فقلت: "لا". وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق: وَالفَضْلُ ما شَهدَتْ به الأعداءُ... فقال له هرقل: "فعرفت أنه لم يكن ليدَعَ الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله!

الصفحة السابقة الصفحة التالية