طريقة القرآن في إثبات النبوات
أحمد الفيشاوي • المنهج السلفي
وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته... " اهـ من "تفسير القرآن العظيم" بتصرف يسير .
وفي حديث المغيرة -رضي الله عنه- مع المقوقس أنه سأله عن نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هو أوسطهم نسبًا، فقال المقوقس: كذلك الأنبياء تبعث في نسب قومها، ثم سأل كيف حديثه؟ فقال: "ما يسمى إلا الأمين من صدقه"، فقال المقوقس: "انظروا في أمركم، أترونه يصدق فيما بينكم وبينه ويكذب على الله؟!".
فبمثل هذا السؤال والبحث استفاد هؤلاء وغيرهم أن هذا نبي حق.
ولما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي -صاحب هجر-؛ ليدعوه إلى الإسلام قال له العلاء: "يا منذر، إنك عظيم العقل، فلا تصغرن في الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم العرب ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيى من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب أن تصدقه، ولمن لا يخون أن تأمنه، ولمن لا يخلف أن تثق به، فإن كان هذا هكذا فهذا هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه، إن ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل البصر...." الحديث، وفيه: إسلام المنذر، وكتابته بذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان من أعظم أسباب إسلامه: بلاغة العلاء بن الحضرمي، وحسن استدلاله على النبوة بكلا المسلكين: النوعي والشخصي.
وبمثل هذا آمن كثير من فضلاء الأمة وسابقيهم كخديجة -رضي الله عنها-، وأبي بكر، وزيد، وعلي وغيرهم -رضي الله عنهم-؛ لما علموا من صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وبره وأمانته، وعقله ورشده، وعدله، بل قد آمن كثير منهم قبل أن يروا المعجزات أو تتلى عليهم الآيات؛ إذ كانت سيرته عندهم كافية لمعرفة صدقه في قوله: " إِنِّي رَسُولُ اللهِ ".
ولذلك لما طعن من طعن في شخص النبي -صلى الله عليه وسلم-، وزعم أنه تكهن، وأن له رئيًّا من الجن؛ دحض الله -عز وجل- فريتهم تلك فقال: ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) (الشعراء:221-223) ، فقد علم القاصي والداني أن الشياطين لا تتنزل إلا على من يشاكلها في الشر والفساد، بل من هو في الغاية من ذلك، فمن رام مساعدة الشياطين له وهو دون المنتهى في الكذب والقبائح؛ لم تلبِ له الشياطين طلبه إلا بعد أن يفعل ما يطلبونه منه من أنواع القبائح والشرور والشرك -والعياذ بالله-.
وقد علم القاصي والداني -أيضًا- أنه -صلى الله عليه وسلم- من أبعد الناس عن ذلك، بل هو في غاية الضد منه، في غاية الصدق والأمانة، والبر والعفاف، والمروءة.
ثم لو كان الذي يأتيه شيطان؛ لكان يأمره بمراد الشياطين من الشرك والظلم، وإباحة الفواحش وغير ذلك من مطالب الشياطين، لا أن يأمره بالتوحيد والمعروف، ونحو ذلك مما هو أبغض شيء للشياطين، ولذلك قال -تعالى- قبل هذه الآيات: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) (الشعراء:210-211) ، فبيَّن -عز وجل- أن هذا القرآن مما لا تبغي الشياطين نشره والدعوة إليه، فكيف يزعمون أنهم الذين أوحوه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!
وكان من هو أعقل وأحسن حالاً من هؤلاء؛ تأبى نفسه أن يتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتلك التهمة ظاهرة البطلان، فذهب إلى ما هو أقل قبحًا من ذلك فقال: لا، بل هو شاعر، فرد الله -تعالى- عليه ذلك بقوله: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ) (الشعراء:224-226) ، فبيَّن -تعالى- أنه ليس من جنس الشعراء الذين يتبعون شهواتهم وأهواءهم، ولأجل ذلك يمدحون ما قد ذموه أو يذمون ما قد مدحوه، بل قد يمدحون الشيء وضده، ويذمون الشيء وضده في آنٍ واحد؛ كل ذلك بحسب مصالحهم وأهواءهم، فليسوا بأصحاب دعوة ينافحون عنها مهما تغيرت الظروف، بل هم في كل وادٍ يهيمون، ولذلك؛ فإن أفعالهم تخالف أقوالهم، فيمدحون ما لم ولن يفعلوه، ويذمون ما هم غارقين فيه.
فمن عرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصدقه، ووفاءه وبره، وعفافه، ومطابقة قوله لعمله؛ علم يقينـًا أنه ليس بساحر، ولا بشاعر كذاب.
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "هذا جواب لمن قال من مكذبي الرسول: إن محمدًا ينزل عليه شيطان!!، وقول من قال: إنه شاعر! فقال: ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ) أي: أخبركم الخبر الحقيقي الذي لا شك فيه ولا شبهة.
( عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ )، أي: بصفة الأشخاص، الذين تنزل عليهم الشياطين.
( تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ ) أي: كذاب، كثير القول للزور، والإفك بالباطل، ( أَثِيمٍ ) في فعله، كثير المعاصي، هذا الذي تنزل عليه الشياطين، وتناسب حاله حالهم.
( يُلْقُونَ ) عليه ( السَّمْعَ ) الذي يسترقونه من السماء، ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) أي: أكثر ما يلقون إليه كذب، فيصدق واحدة، ويكذب معها مائة، فيختلط الحق بالباطل، ويضمحل الحق بسبب قلته، وعدم علمه، فهذه صفة الأشخاص الذين تنزل عليهم الشياطين، وهذه صفة وحيهم له.
وأما محمد -صلى الله عليه وسلم-، فحاله مباينة لهذه الأحوال أعظم مباينة؛ لأنه الصادق الأمين، البار الراشد، الذي جمع بين بر القلب، وصدق اللهجة، ونزاهة الأفعال من المحرم.
والوحي الذي ينزل عليه من عند الله، ينزل محروسًا محفوظـًا، مشتملاً على الصدق العظيم، الذي لا شك فيه ولا ريب، فهل يستوي -يا أهل العقول- هذا وأولئك؟!
وهل يشتبهان، إلا على مجنون، لا يميز، ولا يفرق بين الأشياء؟!