اسفنديار القديم واسفنديار الحديث
ياسر عبد التواب • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهل يسمي العرب أبناءهم بأسماء: كـ"عبد العزى"، و"عبد اللات"، و"عبد مناة"، أو بألقاب: كـ"أبي لهب"؟!
وهل يستسيغ المصريون لو أن مصريًا منح ابنه اسم: "هامان"، أو "منقرع"، أو "رع"، أو غيرها من الأسماء الفرعونية؟!
الجواب: لا... لأن في تلك الأسماء دلالات عقدية يرفضونها، وقد أشربت من حياض عقائد وثنية، وتشبعت بمعانٍ تاريخية تنافي الحضارة الإسلامية... سل يجيبك عن هذا تلاميذ المراحل الابتدائية في عالمنا!
لكن هل يحدث الرفض هذا في الحضارة الفارسية؟؟
تجيبك أسماء لأبطال "الشاهنامة" الملحمة الأدبية التي أرخَّت لأساطير، ووقائع تاريخية للفرس قبل الإسلام، والتي يطلق عليها المؤرخون: القرآن الفارسي، حين تجد فيها أسماء تاريخية وأسطورية فارسية، مثل: "رستم - اسفنديار - منوشهر - مهراب - جاماسب - جمشيد - كيخسرو"، وكلها أسماء مستخدمة في التداول الفارسي إلى يومنا هذا! فهل لذلك دلالة معينة؟!
ما أراه لأول وهلة -ولعلك قارئي الكريم توافقني-: أن القوم لم يتخلصوا بعد من سيطرة تلك الأساطير، وأنهم لا يزال لديهم نزوعًا مريبًا نحو تلك الحضارة البائدة وهو ما قد ينعكس -ولو بصورة غير متعمدة من قبل العامة على الأقل- على تعاملهم مع الآخرين الذين سلبوهم تلك الحضارة كالعرب مثلاً!
هل يصلح دلالة على قولي -ولا أظنني جانبت الصواب في هذا- أن القوم يحتفلون وإلى يومنا بـ"أبي لؤلؤة المجوسي" الذي قتل عمر -رضي الله عنه-، ويشرفون قبره ويؤبنونه تأبينـًا... ؟!
وليس ثمة ما يدعو لهذا سوى أن "الفاروق" جاهد؛ لتكون كلمة الله -تعالى- هي العليا فسلب عباد النار ملكهم فحقدوا عليه حقدًا لا زالت ناره تكويهم ليومك هذا!
ولئلا يتوه بنا الاستطراد دعنا نفصل ما عنونا به المقالة فنقول:
اسفنديار بن كشتاسب بن لهراسب من أهم الشخصيات الشاهنامة! وكان اسفنديار يدعو الناس في? الإيران والروم، والهند، واليمن لدين المجوسية! وبعد أحداث لا نطيل بذكرها طلب كشتساب من ولده اسفنديار أن يقاتل رستم بن زال في سجستان، ويأتيه أسيرًا، لكن ما حدث كان العكس فقد قتل رستم اسفنديار، والغريب أن وصي اسفنديار رستم قبل موته أن يربي ابنه بهمن تربية الوالد لولده... ! ودفن اسفنديار بعدها في الإيران.
تأمل معي أن يطلب الرجل من عدوه أن يربي له ابنه... أي غفلة هذه، وأي تركيبة نفسية يتعامل بها الشهناميون مع أعدائهم؟ إن كان يراه على حق فخير له أن يفاوضه أو يسالمه، وإن كان يراه على باطل فكيف يطلب منه ذلك؟!
تعالَ لنقارن بين الاسفندارين القديم والحديث؛ لننظر كيف يتحدث الاسفنديار الحديث عن أعدائه بنفس المنطق؛ ففي تصريح "لاسفنديار مشائي" -نائب الرئيس الايراني أو مدير مكتبه بحسب الحال فهو نسيبه ولابد له من منصب!- نقلته صحيفة "اعتماد" ووكالة أنباء "فارس" الإيرانيتين في 20-7-2008 يقول: "إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي"، فهو يرى إذن أن الشعب الإسرائيلي -الذي احتل أرضنا وقتل ذوينا وأقام المذابح لأطفالنا- هو شعب صديق وكذلك الداعم للإسرائيليين والشيطان الأكبر كما يحلو لهم أن ينادوه هو كذلك شيطان صديق!!
وعلى العموم لم تقل سذاجة هذا "الاسفنديار" عن سميه السابق؛ فكلاهما يحب عدوه ويثق فيه حتى يسلمه أبناءه، ولا عبرة بعدئذ من كل دعاوى التهديدات والانفعالات، والتبرءات ومظاهرات الضحك على السذج من الإيرانيين، وغيرهم مادامت القيادات الإيرانية منخرطة حتى النخاع في حب الأصدقاء من اليهود والأمريكان! وما دام من كان هذا فكره يكون مؤهلاً لمنصب نائب الرئيس الذي يدعي أنه عدو إسرائيل الأكبر!!
لكن هل هذه من الاسفنديار الحديث سذاجة أو حماقة انفرد بها أم أنه يعبر عن منهج فارسي أصيل؟؟
إن الواقع لكل متأمل يكشف أن العلاقة بين المثلث "الإسرائيلي - الإيراني - الأمريكي" تقوم على المصالح، والتنافس الإقليمي والجيو-استراتيجي، وليس على الأيديولوجيا والخطابات، ولا علاقة لكل ذلك بأي انتماء إلا الانتماء الفارسي الذي ينظر إلى مصالحه -ومصالحه وحدها-، وليذهب بعدها هذا العالم الإسلامي إلى الجحيم، وهذا ما تخبرك به كل المواقف الفارسية بلا استثناء حتى من أيام "شاه إيران" الذي كان على وفاق دائم معها، ومرورًا بما يسمى الثورة ورجالها كـ"الخميني"، وانتهاءً بـ"نجاد" المتهم بالتزوير.
فبينما لا تخلو لغة المسئولين الإيرانيين منذ الثورة عام 1979 من مفردات العدو، والعمل على إزالة "إسرائيل" من الوجود، وشعارات تحرير القدس، والاحتفاليات الكثيرة بهذا الشأن، وادعاء أنهم يدعمون المقاومة، وأنها لم تخرج إلا من عباءتهم، وكلها كلمات رنانة لا تخرج عن لغة التعاطف والتأييد اللفظي... ! بينما الواقع على الأرض عكس كل دعاوى العداء، وكل دعم مقدم هو لتوطيد أقدامهم ليس إلا: فلولا مساعدتهم للولايات المتحدة لما سقطت بغداد، ولا كابول؛ فإن إيران لعبت دورًا أساسيًا في إسقاط هاتين الدولتين اللتان لهما أهمية كبيرة في المنطقة العربية والإسلامية، وانظر كدليل على التوافق والتعاون المستمر كيف سمحت أمريكا بتعيين وزراء عراقيين يحملون الجنسية الإيرانية، بل وكيف سمح للأمن الإيراني بالتدخل السافر في العراق إما من خلال منظمات مرتبطة بشكل كامل بها كمنظمة: "بدر"، وحتى السماح لأجهزة التحقيق الإيرانية بتولي التحقيق مع المجاهدين الذي كانوا يحتاجون لمترجمين عن الفارسية ليتفاهموا معهم؟!
وفي هذا المعنى نفهم تصريحات أبطحي المدير السابق لمكتب خاتمي ـوالذي قال بالحرف الواحد-: "لولا إيران ما دخلت أميركا بغداد ولا كابل"!!
وعلى هذا يجب علينا أن نفهم أن أمريكا في العراق وأفغانستان: "الحليف الأكبر"، وفي لبنان وفلسطين ومنطقة الخليج: "الشيطان الأكبر"!! وهو ما يؤكد ما نذكره من أن الانتماء الفارسي المعكوس المنطق هو ما يحركهم.