اسفنديار القديم واسفنديار الحديث
ياسر عبد التواب • قضايا معاصرة
وحتى تصريحات "أحمدي نجاد" ضد إسرائيل كلها لم تخرج عن هذا الإطار، فاللعب بورقة معاداة إسرائيل يساعد إيران في تجاوز الانقسامات الفارسية - العربية والشيعية - السنية. والخطاب الحاد ضد إسرائيل يلاقي قبولاً طيبًا في الشارع العربي، ولن يغير واقع التعاملات التحتية، بل يؤدي لكسب مزيد من المؤيدين لها في المنطقة بلا واقع عملي فضلاً عن وضوح فكري وعقدي.
ونظرة إلى واقع نجاد نفسه وكيف كان متعاونـًا جدًا مع الاحتلال؟! وكيف أفلح في التغاضي عن كل الجرائم الأمريكية ضد العراق وأفغانستان وكأنها لا تعنيه هو وأصدقائه من حماة الإسلام في قم؟!
وتأمل كيف زار العراق تحت الاحتلال وقام بحراسته الجنود الأمريكان والتقى بقوات التحالف ومدحوه؟! وكيف لا يمدحوه وهو الذي قدم لهم الدولتين على طبق من فضة؟!
هل تقول سياسة؟! وتقول وهل خلت دولنا العربية من مواقف شبيهة أو أشد سوءًا؟!
وهل ستردد التشجيعات الساذجة في بيان اتحاد علماء المسلمين الذي أظنه من صياغة الكاتب الشهير عراب إيران في المنطقة وزميله المحامي اللذان أقحما نفسيهما في لعبة التشجيع دون روية ولا انتباه لدلالات التزوير والسير بعكس مصالح الأمة؟!
ونقول: إن هناك فرق بين من يدعي أنه صاحب فكر ومنهج وثورة يدعي أنها إسلامية -زعموا-ويرجع كل تصرفاته وأفكاره إليها وبين الانتهاز السياسي المتسربل بالعلمانية -والذي نرفضه أيضًا-، الذي يبديه البعض تمسكًا بلعاعة الدنيا... كل ذلك مرفوض لكن الأول أشد سوءًا والأسوأ منه أن يشجعه علماؤنا.
جاء في مذكرات "أرييل شارون" ، يقول: "لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد" (1) ، وصدقك وهو كذوب، وسل التاريخ ينبيك عن تلك الحقيقة!
وضع "الخميني" بنفسه أسس البروتوكول التعاوني مع إسرائيل حيث كان يشتري منهم السلاح قائلاً: "إن الحرب هي الحرب"! وهذا ما ذكره أبو الحسن بني صدر أول رئيس لإيران الخميني في قناة الجزيرة عام 2000، وبالطبع الأمر لن يتوقف على مجرد شاء الأسلحة، بل هناك تعاون في مجالات شتى، ولتذهب المقاطعة إلى الجحيم فـ "إسرائيل" تستورد ما قيمته حوالي 20 مليون دولار سنويًا شراء الفستق الإيراني، وهذا صنف واحد!
وبروتوكول التعاون الإيراني الإسرائيلي مستمر، وحتى الآن، وظهر في أكثر من موقف منها قضية "إيران ـ كونترا" الشهيرة، وهي الخطة التي باعت بمقتضاها إدارة الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان" بواسطة نائبه "جورج بوش الأب" صواريخ مضادة للدروع إلى إيران عن طريق إسرائيل تحت زعم إطلاق سراح خمسة من الأمريكيين المحتجزين في لبنان!! بعيدًا عن رقابة الكونجرس، الذي صنف "إيران الملالي" أمام الرأي العام الأمريكي كدولة عدوة لا يجب التعامل معها، كذلك شراء إيران لصواريخ أخرى من الإسرائيليين عام 1986.
وغير ذلك الكثير الذي دفع "ببنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ذلك "1996 – 1999" إلى إصدار أمره بعدم الإعلان عن أي تعاون سابق أو لاحق بين إسرائيل وإيران، وأراد "نيتنياهو" بقراره هذا حماية سرية بنود التعاون مع إيران؛ لأن كشفها سينسف كل البروتوكولات المتفق عليها مسبقـًا، وسيفضح محاولات "إيران الرسمية" المستمرة لارتداء مسوح "الأب الروحي" الداعم للثورات الإسلامية أمام الشعوب العربية، وسيهدم تبنيها لشعار: "إزالة إسرائيل من على الخريطة"! الذي لا يعدو عن كونه بروتوكولاً شيطانيًا آخر؛ لخداع البسطاء العرب، تحت زعم معاداة إسرائيل؛ لتستطيع من خلاله تحقيق مشروعها الحلم! زيو مائور "الباحث بمعهد" أوميدا" الإسرائيلي في بحثه تحت عنوان: "إيران بحاجة إلى إسرائيل" جاء فيه: "إن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها، بل هي في حاجة إليها وتعتبرها مكسبًا استراتيجيًا مهمًا حتى تظل قوة عظمى في المنطقة".
وأما عن الشيطان الأكبر أمريكا: فكثير منّا لا يعلم أنّه على الرغم من قانون العقوبات الأمريكي الشهير المفروض على إيران، والذي يمنع المتاجرة مع إيران بأي شكل من الأشكال، ويعاقب تعامل الشركات الأمريكية -وحتى الغير أمريكية- المتعاملة معها، وخاصة في القطاعات المهمة والتي يشكّل النفط إحداها، فإنّ شركة "هاليبيرتون" النفطية الأمريكية الشهيرة التي يديرها نائب الرئيس الأمريكي "ديك تشيني" أحد أهم الصقور، والمعروفين بالمحافظين الجدد الذين يديرون "الشيطان الأكبر" ظلّت تعمل في إيران حتى أوائل العام 2007 حين أصدرت بيانـًا أعلنت فيه أنها أنهت جميع التزاماتها الموقعة في إيران، بعد أن كانت تطوّر حتى حينه بعض الحقول النفطية والغازية في هذا البلد، وتصدّر إليه معدّات بقيمة 50 مليون دولار أمريكي سنويًا!!
فهناك إذن معاملات مختلفة وود من خلف الكواليس! فهل كان اسفنديار الحديث مخطئًا عندما مدح أعداءه كما فعل سلفه اسفنديار القديم؟!
أم أننا نحن السذج والمنخدعون بأوهام "الإمبراطورية الفارسية" الواعدة التي تروج لكل ما من شأنه إثارة الانقسام والفرقة بيننا؛ لتصعد على أكتافنا، والعجيب أن يضرب بهم المثل في بيانات علمائنا... ! آه من سذاجة اسفنديارتنا أيضًا!!