روزا اليوسف خلف شيخ الأزهر أم أمامه
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تعرض شيخ الأزهر "محمد سيد طنطاوي" لحملة انتقادات واسعة بعد حادثة تبكيته لإحدى الطالبات من أجل نقابها! وقد دارت هذه الانتقادات حول محورين:
الأول: شرعي يتعلق بزعمه أن النقاب عادة لا علاقة لها بالإسلام، وليست بعبادة؛ مخالفـًا ما قرره هو بنفسه في تفسيره "الوسيط"!!
الثاني: أسلوب خطابه مع الفتاة ومع معلمتها الذي اتسم بالجفاء، والغلظة، واستخدام ألفاظ هي في عرفنا نوع من الشتم بصورة أو بأخرى، وقد صمت شيخ الأزهر فترة، ثم ظهر في عدة برامج حوارية دافع فيها عن نفسه في النقطتين:
أما الأولى: فحاول استخدام تعبير أن جمهور الفقهاء يرون أن الوجه ليس بعورة، وإن فقيه واحد فقط (1) هو الذي قال بأنه عورة، مع تأكيده على أنه لا يحارب النقاب، وعلى حق كل من شاءت أن تنتقب في النقاب، ولكن إذا كانت في مكان كله نساء فلا يسمح لها بالنقاب؛ لأن ذلك نوع من الغلو المرفوض!
وأما الثانية: فزعم أنه خاطبها بأبوة حانية، وتردد في نفي التفاصيل بيد أنه قال لمحاوره في نهاية الأمر: "لم يحدث شيء من ذلك"!
وصدر قرار مجلس الأزهر ليؤكد أن الإشكال فقط في ارتداء النقاب في فصل طالبات تدرس لهم معلمة، وعلى الرغم من أن هذا القرار هو من باب تحصيل الحاصل، وأنه لا يوجد من ترتدي النقاب أمام النساء، وأن الطالبة صاحبة القضية بررت نقابها في الفصل بوجود شيخ الأزهر والوفد المرافق له، وأما ما ذكره شيخ الأزهر من أنه دخل الفصل فجأة فوجدها ترتديه فهذا أيضًا لا يعني أنها ترتديه دائمًا؛ حيث إن الطالبة ارتدت النقاب من باب احتمال دخول الوفد فجأة على أي فصل، وهو ما حدث بالفعل، ولكن على أية حال كان يمكن اعتبار هذا القرار نوعًا من الحل الدبلوماسي للازمة.
بيد أن صحفًا، ومجلات بعينها تقود حملة دائمة على مظاهر التدين عمومًا، وعلى النقاب خصوصًا؛ قررت أن تتدخل لعلها تستفيد من الصورة، وتدعم موقفها بموقف شيوخ الأزهر الذين طالموا أوسعوهم نقدًا وتجريحًا إذا قالوا خلاف ما يشتهون أو إذا قرر الأزهر مصادرة كتاب من كتب "العفن الفكري"، والوقائع في ذلك أكثر من أن تُحصى، ويأتي على رأس هؤلاء مجلة "روزا اليوسف" الأسبوعية، والتي نشرت ملفـًا كاملاً عن النقاب في عددها الصادر يوم السبت 17-10-2009، سموه: "ضد النقاب"، وجعلوا شعاره: "التصدي للثوب الخبيث"! قالوا في ديباجته: إن جهودهم في حرب النقاب قد أثمرت أخيرًا، وقرر آخرون أن يدخلوا معهم في مواجهة هذا الثوب الخبيث كما زعموا، وهم بوصف الخبث أولى لو كانوا يشعرون!!
ولم يأت الملف بجديد عما اعتدناه منهم طوال السنوات الماضية من إنكار مشروعية الحجاب ذاته؛ حيث احتوى الملف على مقال بعنوان: "صدر الإسلام لا يعرف الحجاب"، وهو مقال لخص فيه صاحبه موقفه من الحجاب، وأنه هو الأخر "عادة" قابلة للتغيير بتغير الأعراف؛ بيد أن مقالات إنكار الحجاب التي تنشرها تلك المجلة "الخبيثة" تتسم عادة باللف والدوران، ولكنها تنتهي كما انتهت تلك المقالة في هذا الملف إلى تلك النتيجة الحتمية البطلان.
وأما مقالات الطعن في النقاب فنار وسموم من أولها إلى آخرها، وكان منها في ذلك الملف مقدمة الملف بعنوان: "معركة التصدي للزي الخبيث"، والجديد في هذه المقالة أن كاتبها تخلى عن نغمة أن الزي من الشكليات ليصرح بأن النقاب -في حد منهجه المريض- ظاهرة ليست أقل من انتشار "الحشيش" الآن بين فئات المجتمع الدنيا والعليا، وليصفه بأنه "ورم سرطاني في جبين المجتمع في حاجة ملحة لاستئصاله بسرعة قبل فوات الأوان"!
كما شمل الملف مقال بعنوان: "النـقـــاب... حــــرام مرفوض لا مفروض"!! ختمه كاتبه بقوله: "أيها السادة، لقد سألوا الشيخ "الشعراوي" يومًا عن رأيه في النقاب فقال: "لا مفروض، ولا مرفوض"، وأنا بعد ما تقدم أقول رأيي فيه وهو: "لا مفروض... ومرفوض" والله أعلم!!
وهذه المقالة في عدد حاول خطب ود شيخ الأزهر والظهور كما لو كان هو وهيئة تحرير المجلة يقفان في خندق واحد ضد النقاب تضمنت هذا التطاول على الشيخ الشعراوي؛ لأنه لا يحرم النقاب وإن كان الشيخ الشعراوي قد ناله من المجلة أضعاف أضعاف ذلك التطاول؛ بسبب كلامه عن الإعجاز العلمي في القرآن، وبسبب ما ورد في تفسيره من نقد عقائد النصارى، كل هذا يدل بوضوح على موقف هذه المجلة من علماء الدين.
كما احتوى الملف على مقال آخر بعنوان: "ثقافة النقاب" لـ"منى حلمي"، وهي غير محجبة، وهي التي تطالب مع أمها بنسبة الأبناء إلى أمهاتهم، وهذا يعني أن بديل النقاب الذي اعتبرته تخلفـًا ليس الحجاب، بل النموذج الغربي المتمرد الذي تقدمه!
وآخر ينعي الليبراليين الذين يدافعون عن النقاب بدعوى الحرية الشخصية، واختار لذلك عنوانـًا يناسب قاموسه الثقافي: "النوم مع المتطرفين"!
هذا بالإضافة إلى مقال "إرهاب فكري" من "عبد الله كمال" ضد الدكتور "العوا" وغيره ممن دافعوا عن المنقبات اللاتي سماهن: "رسولات من عصر الحريم"! "وفات الكاتب أن يحدد لنا عصر الحريم متى بدأ ومتى انتهى حتى يتسنى لنا اتخاذ موقف مناسب منه".
بالإضافة إلى مقال بعنوان: "قل يا أهل النقاب... تعالوا إلى كلمة سواء"! لخص فيه صاحبه مرجعيته، وأنها مرجعية التغريب الذي يسميه التحضر بقوله: "لقد مرّ قرن كامل على مجتمعاتنا الحضرية، عاشت أجيالها على إرهاصات التقدم من خلال النخب التي عرفت كيف التعامل مع هذا العصر، ولكن هجمة التراجع والانغلاق قد خلقت هولاً من التعصبات التي لم تعرفها كل مجتمعاتنا الحضرية... ".
ومقال آخر من باب الحشو بعنوان: "نقاب أم عقاب"! تزعم كاتبته أن النقاب هو في حقيقته عقاب للجميلة على جمالها، ولم يفت كتـَّاب هذه المقالات أن يأكدوا على أن انتشار مظاهر التدين، ومنها النقاب ليس نابعًا من تدين، ولكن لأسباب اقتصادية واجتماعية... إلى آخر هذه الاسطوانة المشروخة!
كل ذلك ليس بجديد، ولكن الجديد حقـًا في هذا الملف هو استثمار هذه المجلة الخبيثة لموقف "شيخ الأزهر" المشار إليه سابقـًا؛ لكي توهم القارئ أن "شيخ الأزهر" يقف معهم في خندق واحد ضد النقاب، وهذا ما تورط فيه "شيخ الأزهر" بصورة أو بأخرى!!