شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحالة العرقية والسياسية والدينية في مصر قبل الفتح الإسلامي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أرسل الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالنور والهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، ومن ثمَّ فجميع الأرض يجب أن تنعم بالإسلام؛ لا فرق بين أرض كان يسكنها الروم، وأرض كان يسكنها الفرس فضلاً عن غيرهم من الشعوب التي كانت واقعة تحت سيطرتهم وقت بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-: كالقبط، والبربر، ونحوهم.

ولا فرق بين أرض كان تنتشر فيها الوثنية، وبين أخرى كانت تدين بالأديان المحرفة المبدلة -وإن كان أصلها من عند الله-.

ومستندنا في هذا أنه دين الحق، ونحن نعلم أن كل متبع لدين يزعم أن دينه هو دين الحق فالمحك هنا في المجادلة والمناظرة، ثم المباهلة إذا اقتضى الأمر، كما أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بها: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران:59-61) .

هذه مقدمة لابد منها قبل أن نناقش من باب العلم بالشيء من ناحية، ومن باب التنزل في المناقشة مع من يسمون أنفسهم بـ"أقباط المهجر"؛ الذين وصلت بهم الوقاحة إلى حد المطالبة بجلاء العرب المحتلين عن مصر متبعين سنن أسيادهم من اليهود في ادعاء الحق التاريخي في مصر، والذي لو طـُبق؛ لطـُرِدوا هم والأمريكيون الحاليون من أمريكا؛ لا سيما وعمرهم فيها أقصر من عمر الإسلام في مصر بكثير.

إن النظام العالمي: الذي يدعوننا ليل نهار إلى احترامه قد اعتبر الأوضاع السياسية عند تكوين "عصبة الأمم" هي الأساس الذي يتم به التعامل عالميًا، ولم يسثنِ من ذلك إلا إسرائيل مع محاولة إعطائها المشروعية القانونية من خلال "وعد بلفور" بصفته معطى من قبل دولة الحماية، ومنطلق اتفاق مع "الشريف الحسين" الذي فرضوه على العرب كممثل لهم!

الحاصل أن حتى إسرائيل لم تنتحل نظرية الحق التاريخي إلا بمساندة وحيلة قانونية؛ لكي تتمكن الأمم المتحدة وريثة عصبة الأمم من الاعتراف بها.

وأما هؤلاء الثـُلة: فيريدون الاستقواء بدولة عمرها في الدنيا خمسمائة عام فقط، وعمرها السياسي لا يتعدى مائتي عام، وعمرها كدولة عظمى لم يكمل بعد مائة عام ولا قاربها!!

يريدون أن يغيروا خريطة العالم، ويعودوا بمصر إلى ما أسموه بـ"العصر القبطي"؛ فهل يوجد في التاريخ المصري عصر يمكن أن نسميه بـ"العصر القبطي"؟؟

وهل كانت الملة النصرانية الأرثوذكسية يومًا ما هي دين الأغلبية في مصر؟!

وهل يوجد عِرْق مصري يمكن أن يقال عنه أنه العرق المصري الأصيل وغيره هو الدخيل؟!

فإذا كان علماء التاريخ يقسمون تاريخ الشعوب إلى فترات باعتبار تعاقب "الدول" -أي: الأنظمة السياسية-، فسوف نجد أن تاريخ مصر ينقسم إلى ثلاث فترات كبار، وهي:

1- العصر الفرعوني: ويمتد من 3200 ق. م إلى استيلاء "الإسكندر الأكبر" على مصر عام 333 ق. م.

2- العصر اليوناني والروماني: ويبدأ من استيلاء "الإسكندر الأكبر" على مصر إلى الفتح الإسلامي لمصر عام 641م، وهو ينقسم إلى فترتين:

الأولى: العصر البطلمي حتى عام 31 ق. م.

الثانية: العصر الروماني منذ 31 ق. م إلى الفتح الإسلامي.

3- العصر الإسلامي: والذي يبدأ من عام 641م -20 هـ -أدامه الله إلى قيام الساعة- "يراجع موسوعة تاريخ مصر أحمد محمود مرعي" .

ولذلك فإن الصواب من ناحية البحث التاريخي أن يقال: إن مصر انتقلت بالفتح الإسلامي من العصر الروماني إلى العصر الإسلامي، لاسيما والتاريخ يؤكد أن الحرب بين جيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- كانت مع جيش الروم، وما فتحه من بلادها صلحًا كان صلحًا مع الروم، وأن سكان مصر المدنيين لم يكن لهم في الحرب ناقة ولا جمل!

وليس أمام المتشدقين بالعصر القبطي إلا أحد احتمالين:

الأول: إن سكان مصر في ذلك الوقت مع اختلاف تركيبتهم العرقية، والدينية كانوا يرون أن حكم المسلمين أفضل لهم، وهو القول الذي ما زال يردده النصارى المرتبطون مصلحيًا بالمسلمين، ومنهم: معظم نصارى الداخل، وهو الموقف الرسمي للكنيسة المصرية كما ورد في كتاب: "تاريخ الأمة القبطية"، وهو من إعداد الكنيسة المصرية.

الثاني: أنهم كانوا من سقط المتاع يتقاتل عليهم: اليونان والروم، ثم: الفرس والروم، ثم: المسلمين والروم، وهم ينتظرون لمن تكون الغلبة؛ لكي يؤدوا إليه الجزية والبيعة في آن واحد حيث كانت الجزية مفروضة على كل سكان مصر غير الرومانيين قبل الفتح الإسلامي لمصر، وهو أمر يجعلهم أشبه بعمال التراحيل الذين لا يشغلهم سوى مقدار الضرائب التي ستفرض عليهم، وربما شغلتهم حريتهم الدينية بعض الشيء!

وأظن أن كلاً من الاحتمالين كافٍ لنفي فِرْية العصر القبطي الذي اكتشفوا وجوده فجأة وهم في أمريكا!

وأما العرق القبطي الأصيل التي يتغنى به هؤلاء: زاعمين أن العرب دخلاء؛ فأمر لا يثبت أمام النظر التاريخي المنصف، وإذا ما قارنا بين تعداد سكان مصر، وتعداد سكان الجزيرة العربية قاطبة الآن، وعلمنا أن النسبة زمن الفتح الإسلامي كانت أضعاف أضعاف ما هو عليه الآن؛ لندرة المياه في الجزيرة العربية، وعدم توفر وسائل التنقيب عنها علمنا أنه لا يمكن أبدًا أن يُعزى التفوق العددي الساحق للمسلمين على غيرهم إلى أن العرب قد كاثروا أصحاب البلد حتى صاروا أكثر منهم!

ولو افترض مفترض أن كل المسلمين العرب قد تركوا الجزيرة العربية، وتركوا بلاد العراق، وفارس، وغيرها، وجاءوا؛ ليكاثروا المصريين ما قدورا على ذلك! فلا يوجد إلا احتمال واحد وهو: أن معظم أهل مصر قد أسلموا، ثم تعلموا اللسان العربي فصاروا عربًا؛ هذا بالإضافة إلى توطن بعض القبائل المسلمة العربية في مصر، وامتزاجها مع سائر طوائفه العرقية.

الصفحة التالية