شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحالة العرقية والسياسية والدينية في مصر قبل الفتح الإسلامي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • السيرة والتاريخ

وبهذا الطرح نستغني عن البحث عن الحالة العرقية والدينية التي كانت عليها تلك الأغلبية التي دخلت في دين الله طوعًا واختيارًا؛ بيد أنه لا مانع من التنزل مرة ثانية، وثالثة؛ لمناقشة الحالة العرقية والدينية لمصر قبل الفتح الإسلامي.

وتشير الدراسات الأمريكية الحديثة حول الأصول العرقية للشعوب وفقـًا لتحليل الحامض النووي: إلى أن الفراعنة جزء من جنس سكن ما يسمى الآن: ببلاد مصر، والصومال، والحبشة، وليبيا -"ومن الجدير بالذكر أن هذه البلاد جمعتها وحدة سياسية في بعض العصور القديمة"-، وهو أمر أشار إليه كثير من الباحثين قبل بحوث الحامض النووي، ومن الشواهد على ذلك الاعتقاد السائد بأن الفراعنة كانوا ذوي بشرة سوداء، أو شديدة السمرة على الأقل.

ومن ثمَّ فإن أقرب الأجناس الموجودة في مصر إلى أن يكونوا من نسل الفراعنة هم: "سكان النوبة"، أو "سكان سيوه"، وهم مسلمون عن بكرة أبيهم -والحمد لله رب العالمين-، وغالب الظن إن لم يكن يقينـًا أن قبائل النوبة قد تحولوا من الوثنية إلى الإسلام رأسًا دون أن يمروا بالمرحلة النصرانية، بل كان هذا هو حال كثير من غيرهم كما يأتي بيانه -إن شاء الله-.

وأما من سوى سكان النوبة: فقد حصل امتزاج شديد بينهم وبين اليونانيين بعد استيلاء "الإسكندر الأكبر" على مصر، واصطباغ البلاد بصبغة يونانية وواضحة في عهده؛ مما أثر على التركيبة العرقية للمصريين.

واليونانيون هم من سمَّى المصريين ببلاد القبط: الذي اشتقوه من اسم معبد الإله الوثني "تاح"، ويُسمى بيته أو معبده "هاي كا بتاح"، وهو ما نطقه اليونانيون Egeaptus .

ولم يكن الاختلاط مع اليونانيين هو الاختلاط الوحيد، بل حدثت امتزاجات أخرى نتج عنها عدم وجود عرق محدد ينتمي إليه معظم وادي النيل.

وبالإضافة إلى النوبيين والقبط كما سماهم بذلك اليونانيون، كان يوجد الأعراب الذين سكنوا الصحارى المشابهة في مناخها للجزيرة العربية، وهؤلاء كانوا في مصر من قبل الفتح الإسلامي بكثير، وجاءوا إليها عن طريق الهجرة من اليمن إلى الحبشة إلى مصر.

وقد ذكر "إسكندر وصفي" صاحب كتاب: "المنارة التاريخية في مصر: الوثنية والمسيحية": الكثير من المواجهات بين العربان والقبط، وبين العربان والرومان؛ مما يدل على أن العربان منعوا الرومان من السيطرة على ما تحت أيديهم من أراضي في الوقت الذي خضع فيه القبط خضوعًا تامًا لليونانيين، والرومان من بعدهم، ومعظم هؤلاء العربان قد انتقل من الوثنية إلى الإسلام رأسًا دون أن يمر بالمرحلة النصرانية مطلقـًا.

مما سبق يتضح أنه كان بمصر قبل الفتح الإسلامي أربعة أعراق:

الأول: هم أقدم الأعراق في مصر وأولاهم بوصف أصحاب البلد الأصليين -إن كان لهذا الوصف أي قيمة تذكر-، وهم: النوبيون، وهم مسلمون عن بكرة أبيهم -بحمد الله-.

الثاني: عرق خليط أو مهجن، وهم من أسماهم اليونانيون: بـ"القبط"، وسوف يأتي بيان حالتهم الدينية قبل الإسلام وبعده.

الثالث: الأعراب، وهم: الذين يسيطرون على كل صحارى مصر، وقد أسلموا عن بكرة أبيهم -بحمد الله-.

الرابع: أقليات عرقية أخرى: كالجالية اليونانية التي لم تختلط نسبًا بالمصريين، والجالية اليهودية الذين هاجروا من مصر مع نبي الله موسى -عليه السلام-، ولكن عاد إليها بعضهم بعد الأزمات التي تعرضوا لها بعد زمن داود -عليه السلام-.

ومرة جديدة نقرر أن هذا القدر كافٍ لحسم المسألة: بيد أنه لا مانع من مزيد من التنزل في المناقشة؛ لنتكلم عن الحالة الدينية لهذه الطوائف قبل الإسلام، وموقفها من الدخول في الإسلام.

يزعم النصارى أن دين النصارى وتحديدًا المذهب الأرثوذكسي كان هو دين الأغلبية في مصر قبل الفتح الإسلامي! ثم يضربون أخماسًا في أسداس؛ لتبرير هذا التحول من الأغلبية إلى أقلية ضئيلة تبلغ 7% وفق الإحصاءات التي تمت في عصر الاحتلال الأجنبي، ثم حاول النصارى إرهاب الأجهزة المعنية بالإحصاء؛ ليصمتوا عن محاولات النصارى الزعم بأن نسبتهم 10 %، ثم من باب: "سكتنا له... " يحاولون رفع النسبة إلى 20 % إلى أن فاجأتهم مؤسسة: "بيو" للدراسات الأمريكية، بإعلانها أن مجموع الأقليات الدينية في مصر لا يشكل سوى 5.4 %!!

فتارة يقولون: إن العرب قد كاثروهم حتى صاروا أكثرية، وقد بينا هشاشة هذا التبرير!

وتارة يقولون: إن فقراء النصارى اضطروا إلى الإسلام؛ لتفادي دفع الجزية، وبقي أغنياؤهم! وتناسى هؤلاء: أن الأقباط يدفعون الجزية طوال عمرهم، كما تناسوا أن الدولة الرومانية الكاثوليكية عجزت عن تحويل الأرثوذكس إلى الكاثوليكية بالحديد والنار، والزيت المغلي!! فكيف نجحت الجزية الإسلامية المخففة أكثر بكثير من الجزية الرومانية، وبلا حديد ولا نار، ولا زيت مغلي أن تحول كل هذه الجموع؟؟!!

ثم إن الجزية في الشريعة الإسلامية لا تفرض على الفقراء العاجزين عنها؛ فعن هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ أنه وَجَدَ رَجُلاً وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبَطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟! إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا) (رواه مسلم) .

ثم إن هؤلاء قد تناسوا حقيقة ذكرها "إسكندر وصفي" في كتابه المشار إليه سابقـًا -وشهد شاهد من أهلها-: بأن معظم من تحول من الوثنية إلى النصرانية كانوا من الفقراء أصلاً؛ طمعًا في ملكوت الرب، وهم الذين صمدوا أمام محاولات إعادتهم إلى الوثنية فيما يعرف عندهم بـ"عصر الشهداء الأول"، نحكي هذا من باب التقرير، ومن باب الرد على شبهة: "إن فقراءهم قد أسلموا... " مع أن هؤلاء الفقراء كانوا هم عصب النصرانية في مواجهة الوثنية فكيف دخلوا في الإسلام إلا إذا كان هذا عن اقتناع منهم؟؟!!

نعم بقي بعض أغنياء النصارى بعد الفتح الإسلامي لم يدخلوا في الإسلام، وجلَّ هؤلاء كانوا من الجالية اليونانية؛ فمحاولات "نصارى المهجر" اليوم الفخر بالغنى الذي منعهم من الدخول في الإسلام؛ فيه اعتراف بعدم مصريتهم التي يدندنون حولها!!

الصفحة السابقة الصفحة التالية